السبت، 21 أبريل 2012

فقه حديث"لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"...وقصة أمير المؤمنين عمر-رضي الله عنه-مع المسرف على نفسه...

اخرج الامام البخاري -رحمه الله- في (صحيحه) ،{ كتاب الحدود} (6777)،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -" أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ، قَالَ : "اضْرِبُوهُ "
، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ،
 قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : أَخْزَاكَ اللَّهُ ، 
قَالَ : "لَا تَقُولُوا هَكَذَا ، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ " .وفي لفظ له (6781):... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ " .
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في(فتح الباري)<14/14،25> عند شرحه :
"قوله : ( لا تقولوا هكذا ، لا تعينوا عليه الشيطان ) في الرواية الأخرى: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم )، ووجه عونهم الشيطان بذلك أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان . 

ووقع عند أبي داود من طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح ويحيى بن أيوب وابن لهيعة ثلاثتهم عن يزيد بن الهاد نحوه وزاد في آخره :(ولكن قولوا : اللهم اغفر له اللهم ارحمه )زاد فيه أيضا بعد الضرب( ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : بكتوه) وهو أمر بالتبكيت وهو مواجهته بقبيح فعله ، وقد فسره في الخبر بقوله : فأقبلوا عليه يقولون له ما اتقيت الله عز وجل ، ما خشيت الله جل ثناؤه ، ما استحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أرسلوه . 

وفي حديث عبد الرحمن بن أزهر عند الشافعي بعد ذكر الضرب " ثم قال - عليه الصلاة والسلام - : بكتوه فبكتوه ، ثم أرسله " ، ويستفاد من ذلك منع الدعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله كاللعن ،.. ".

وعلل -رحمه الله- النهي عن اللعن بقوله في موضع آخر:
"..لأن لعن المعين والدعاء عليه قد يحمله على التمادي أو يقنطه من قبول التوبة ، بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف؛ فإن فيه زجرا وردعا عن ارتكاب ذلك وباعثا لفاعله على الإقلاع عنه ، ويقويه النهي عن التثريب على الأمة إذا جلدت على الزنا كما سيأتي قريبا "انتهي

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-في (تفسيره) عند تفسير قوله تعالي:{غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} غافر:3:
"وقوله : ( غافر الذنب وقابل التوب ) أي : يغفر ما سلف من الذنب ، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه . 

وقوله : ( شديد العقاب ) أي : لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ، وعتا عن أوامر الله ، وبغى [ وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف ] . وهذه كقوله تعالى : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ; ليبقى العبد بين الرجاء والخوف . 

وقوله : ( ذي الطول ) قال ابن عباس : يعني : السعة والغنى . وكذا قال مجاهد وقتادة . 

وقال يزيد بن الأصم : ( ذي الطول ) يعني : الخير الكثير .

وقال عكرمة : ( ذي الطول ) ذي المن . 

وقال قتادة : [ يعني ] ذي النعم والفواضل . 

والمعنى : أنه المتفضل على عباده ، المتطول عليهم بما هو فيه من المنن والأنعام ، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها ، ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها [ إن الإنسان لظلوم كفار ] ) [ إبراهيم : 34 ] . 

وقوله : ( لا إله إلا هو ) أي : لا نظير له في جميع صفاته ، فلا إله غيره ، ولا رب سواه ( إليه المصير ) أي : المرجع والمآب ، فيجازي كل عامل بعمله ، ( وهو سريع الحساب ) [ الرعد : 41 ] . 

وقال أبو بكر بن عياش : سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] فقال : يا أمير المؤمنين إني قتلت ، فهل لي من توبة ؟ فقرأ عليه ( حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ) وقال : اعمل ولا تيأس . رواه ابن أبي حاتم - واللفظ له - وابن جرير .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن مروان الرقي ، حدثنا عمر - يعني ابن أيوب - أخبرنا جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم قال :كان رجل من أهل الشام ذو بأس ، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] ، ففقده عمر،

 فقال : ما فعل فلان بن فلان ؟ 
فقالوا : يا أمير المؤمنين ، يتابع في هذا الشراب .
 قال : فدعا عمر كاتبه ،
 فقال : اكتب : " من عمر بن الخطاب إلى فلان ابن فلان ، سلام عليك ، [ أما بعد ] : فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول ، لا إله إلا هو إليه المصير " .
 ثم قال لأصحابه : ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ، وأن يتوب الله عليه .
 فلما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرؤه ويردده ، ويقول : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي . 

ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان ، وزاد :

 " فلم يزل يرددها على نفسه ، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع؛
 فلما بلغ عمر [ رضي الله عنه ] خبره،
 قال : هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسددوه ووفقوه ، وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه . "انتهي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...