الخميس، 16 يناير 2014

من روائع التفسير:بيان وجه المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة!؟

قال الإمام ابن قيم الجوزية-رحمه الله-عند كلامه على قوله تعلي:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}الآية[الأنعام:39]:
"...وقال مجاهد: "أمم أمثالكم أصناف مصنفة تعرف بأسمائها
 وقال الزجاج: "أمم أمثالكم في أنها تبعث
 وقال ابن قتيبة: "أمم أمثالكم في طلب الغذاء ،وابتغاء الرزق ، وتوقي المهالك
 وقال سفيان بن عيينة: "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم
 فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد،
 ومنهم من يعدو عدو الذئب،
 ومنهم من ينبح نباح الكلب،
 ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس،
 ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه، ولغت فيه؛
 فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمه، لم يحفظ واحدة منها ، وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه.
 قال الخطابي: "ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة" ، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره ،  وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة،
 وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة،
 ومنعدم من جهة النطق والمعرفة ؛
 فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق،
 وإذا كان الأمر كذلك؛
 فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع؛
 فليكن حذرك منهم، ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه".انتهى
<شفاء العليل..> ص184

الثلاثاء، 14 يناير 2014

من نفائس وروائع توجيهات الإمام ابن باز-رحمه الله-للدعاة والمدرسين...



وهو كتاب وجهـه سماحته-رحمه الله-" إلى مدير الإذاعة السعودية في 12/1/1380هـ ينبهه على بعض الملحوظات حول برنامج إذاعي عنوانه "تعلَّم واسأل" ويبين له أهمية الرجوع إلى الكتاب والسنة.
وإليك نص الكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ إبراهيم الشورى مدير الإذاعة السعودية وفقه الله، وتولاه آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعده يا محب أبلغني كثير من الإخوان عن حديثكم الذي تقومون به في الإذاعة في أوقات معينة بعنوان "تعلَّم واسأل" وما يشتمل عليه من تفصيل المذاهب في المسائل الفقهية، وبيان خصائص كل مذهب في كل مسألة يتولى فضيلتكم شرحها للجمهور، وأنه يحتاج إلى تعديل؛ فحرصت أن أسمع ذلك حتى أكون على بصيرة، فقُدِّر لي أن سمعت حديثكم منذ ليالٍ في حكم المسح على الخفين، وسمعت نقلكم للمذاهب الأربعة، وتحريركم ما يراه كل مذهب في هذه المسألة؛ فشكرتكم على عنايتكم بذلك، واجتهادكم في إفهام السامع.
ولكن ظهر لي أن إذاعة مثل هذا غير مناسب للجمهور، وذلك من وجوه:
1_ أن الذي ينبغي هو إسماع الجمهور ما تضمنه الكتاب والسنة بمسائل دينهم، ومعاملاتهم على وجه واضح، مختصر يفهمه العامي والمبتدئ، وينتفع به.
2_ أن هذا هو الذي يجب على الداعي تبليغه، وعلى العامة قبوله، والعمل به، بخلاف المذاهب؛ فإن فيها الخطأ والصوابَ.
والتحديثُ عنها من دون ترجيح قد يفضي إلى التعصب، والتقليد الممقوت.
3_ أن هذا المسلك هو الموافق لسيرة النبي"في تعليم الأمة وإرشادها، والله يقول: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] الأحزاب: 21.
4_ أن تفضيل المذاهب يجعل العامة وأشباههم في حيرة وارتباك لا يدرون بأي مذهب يأخذون؛ فيفضي ذلك إلى استثقال هذا الحديث ورفضه، بل وإلى استثقال الدين، ورميه بأنه متشعب، وغير واضح؛ بسبب الاختلاف.
والنتيجة من وراء هذا عدم الانتفاع بهذا الدرس، بل وحصول الضرر والحيرة بالنسبة إلى العامة أو أكثرهم.
5_لا يخفى أن تحرير المذاهب وضبطها فيه صعوبة شديدة.
والاعتماد على كتب المتأخرين لا يليق؛ لأن فيها شيئاً كثيراً يخالف نصوص الأئمة، فضلاً عن نصوص الشارع.
وإذا كان الأمر هكذا اتضح لفضيلتكم أن الطريقة المرضية السليمة النافعة للمسلمين هي السير على ما ذكر في الفقرة الأولى، وذلك هو تعليم الناس ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله_عليه الصلاة والسلام_بأسلوب واضح، وعبارات جلية في جميع المسائل التي يحتاجها المسلمون.
والكتاب والسنة-بحمد الله-كفيلان بذلك، ودقائقُ المسائل والشروط التي لا دليل عليها، أو لا تمسُّ لها حاجةُ الجمهور؛ لكونها من النوادر- ينبغي الإعراض عنها كما كان المصطفى-صلى الله عليه وسلم- وصحابته المَرضيّون يهتمون بتوجيه الأمة إلى مهمات الدين، وما تعم به البلوى دون النوادر والتفريعات التي لا يضر الجهل بها.
وبعد هذا كله فإني أقترح على فضيلتكم أن تُعَيِّوا لهـذا البرنامج شخصاً أو أشخاصاً من خيرة أهل العلم تكتبون إليهم بالموضوعات التي تحبون إرشاد الجمهور إليها، وتطلبون منهم إيضاح ما قام عليه الدليل دون غيره.
ومحبِّكم مستعد للقيام ببعض ذلك، وأرى أن تطلبوا من المفتي أن يقوم ببعضه، ومن الشيخ عبدالله بن حميد ببريدة، والشيخ محمد آل حركان في جدة أن يقوم ببعض ذلك.
واعتقادي أنهم جميعاً_إن شاء الله_سيلبون الطلب، ويساعدونكم على هذه المهمة العظيمة النفع.
ولكن يحسن أن تخصوا كل واحد بموضوعات معينة؛ حتى يتسنى له الجواب عنها، بسهولة وسرعة، وحتى لا يختلف الجواب إذا كان السؤال مشتركاً.
والمطلوب اتحاد الأجوبة في كل موضوع ترغبون إفادة الجمهور به، ولو لم يحصل ذلك في الأسبوع إلا مرة أو مرتين.
وإذا لم يتيسر من المذكورين تلبية الطلب فمُحِبُّكم مستعد بالقيام بذلك حسب القدرة.
والهدف من وراء ذلك نصح المسلمين، وأن تكون الفائدة مستقاةً من كلام الله، أو كلام رسوله_عليه الصلاة والسلامحتى ينتفع به السامعون، ولا يقعوا في حيرة وارتباك؛ بسبب الاختلاف.
والله-سبحانه-إنما أوجب على العباد اتباع الرسول_عليه الصلاة والسلام-لا اتباع المذاهب، وإنما كتب المذاهب ذات الأهمية يستعان بها على فهم كلام الله، وكلام رسوله-عليه الصلاة والسلام-كما يستعان بكتب التفسير، واللغة، والشروح لمتون الأحاديث.
أصلح الله لي ولكم النية والعمل، وهدانا جميعاً صراطه المستقيم؛ إنه على كل شيء قدير، والله يتولاكم، والسلام.
12/1/1380هـ
<جوانب من سيرة الإمام عبدالعزيزبن باز>ص356-359

مواقف متنوعة من كتاب {جوانب من سيرة الإمام ابن باز-رحمه الله-}

هذه مواقف متنوعة..ممتعة...ماتعة ...نافعة -بإذن الله تعالي- من كتاب{جوانب من سيرة الإمام عبدالعزيز بن باز وهومن أجمع ما كتب في الإمام ابن باز-رحمه الله-وهو يحتوي( على حياة الشيخ-رحمه الله- ومواقفه وصفاته من رواية الشيخ محمد الموسى -حفظه الله- وإعداد وجمع الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد- حفظه الله -). وهى على هذا الرابط:http://www.binbaz.org.sa/mat/21362
وهذا أيضا رابط تحميل الكتاب:http://www.binbaz.org.sa/mat/21357

الاثنين، 13 يناير 2014

من درر الإمام ابن القيم -رحمه الله-:حال أكثر الخلق ..وهى التى أهلكتهم...؟!

قال-رحمه الله-عند كلامه عن علامات مرض القلب...الأسباب والعلاج..تأصيل وتفصيل نفيس...ما أشد الحاجة إليه اليوم:

"وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ، ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله ، وانصرافه عن معرفة صحته، وأسبابها؛ بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته ،
 وعلامة ذلك: أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ،ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة ؛
 فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته:
وما لجرح بميت إيلام
وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها؛ فهو يؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء؛ فإن دواءه في مخالفة الهوى ، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس لها أنفع منه.
وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه ، ولا يستمر معه ؛ لضعف علمه وبصيرته وصبره: كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن ، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن؛ فهو محتاج إلى قوة صبر ، وقوة يقين بما يصير إليه ، ومتى ضعف صبره ويقينه ، رجع من الطريق ، ولم يتحمل مشقتها ، ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة ، وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي بهم أسوة،
 وهذه حال أكثر الخلق وهي التي أهلكتهم؛ فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ، ولا من فقده ؛ إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا؛ فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب.
ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك؛ فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها.
 ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة؛ فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به ،
 والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس؛ فإذا رأى الرائي الشمس لم يحتج في علمه بها ،واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك ويوافقة عليه.
وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في  كتاب (الحوادث والبدع):" حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة؛ فالمراد به: لزوم الحق وإتباعه ،وإن كان الممتسك به قليلا ،والمخالف له كثيرا ؛لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم.
 قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فسمعته يقول: "عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة"،
 ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: "سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها؛ فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة وصلوا معهم فإنها لكم نافلة
 قال قلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا؟،
 قال: وماذاك؟،
 قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك ،وهي الفريضة ، وصل مع الجماعة وهي نافلة !
 قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية تدري ما الجماعة؟،
 قلت: لا؛
 قال: إن جمهور الجماعة: الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق ،وإن كنت وحدك
 وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي ، وقال: ويحك إن جمهور الناس؛ فارقوا الجماعة ، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى
 قال نعيم بن حماد:" يعني إذا فسدت الجماعة؛ فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد ،وإن كنت وحدك ؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ" ذكره البيهقي وغيره.
وقال أبو شامة عن مبارك عن الحسن البصري: قال السنة والذي لا إله إلا هو، بين الغالي والجافي ؛ فاصبروا عليها -رحمكم الله-؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى ،وهم أقل الناس فيما بقي: الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ، ولا مع أهل البدع في بدعهم ، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم؛ فكذلك إن شاء الله فكونوا.
..والمقصود: أن من علامات أمراض القلوب: عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة ، وعدولها عن دوائها النافع إلى دائها الضار؛
 فهنا أربعة أمور:
 غذاء نافع ،ودواء شاف،
 وغذاء ضار ودواء مهلك؛
فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي ،على الضار المؤذي ، والقلب المريض بضد ذلك.
وأنفع الأغذية غذاء الإيمان ، 
وأنفع الأدوية دواء القرآن،
 وكل منهما فيه: الغذاء والدواء"انتهى
<إغاثة اللهفان> 1/55-66

من روائع التفسير:وجوب مراعاة العدل والإنصاف فيمن تحب ومن تكره...

قال العلامة السعدي-رحمه الله-عند تفسير قوله تعالي:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام:152] :
{‏وَإِذَا قُلْتُمْ‏}‏ قولا تحكمون به بين الناس، وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال ‏{‏فَاعْدِلُوا‏}‏ في قولكم، بمراعاة الصدق فيمن تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ما يلزم بيانه؛ فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم‏.‏
بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبُعدها منه‏.‏
وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين، في لحظه ولفظه‏"انتهى.‏
<تيسير الكريم الرحمن...> 2/86

الأحد، 12 يناير 2014

من روائع التفسير:الرد على المحتجين على المعاصى بالقضاء والقدر

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله-عند تفسيره لقوله تعالى:{‏سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ‏}[الأنعام148-149]:
"هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله، بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر حجة لهم في دفع اللوم عنهم‏.‏
وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ‏}‏ الآية‏.‏
فأخبر تعالى أن هذة الحجة، لم تزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل، ويحتجون بها، فلم تجد فيهم شيئًا ولم تنفعهم، فلم يزل هذا دأبهم حتى أهكلهم الله، وأذاقهم بأسه‏.‏
فلو كانت حجة صحيحة، لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب، لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة، وشبهة كاسدة، من عدة أوجه‏:‏
منها‏:‏ ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة، لم تحل بهم العقوبة‏.‏
ومنها‏:‏ أن الحجة، لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص، الذي لا يغني من الحق شيئًا؛ فإنها باطلة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا‏}‏ فلو كان لهم علم ـ وهم خصوم ألداء ـ لأخرجوه، فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم‏.‏ ‏{‏إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ‏}‏، ومَنْ بنى حججه على الخرص والظن، فهو مبطل خاسر، فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد‏؟‏
ومنها‏:‏ أن الحجة لله البالغة، التي لم تبق لأحد عذرا، التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون، والكتب الإلهية، والآثار النبوية، والعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، والأخلاق القويمة، فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الأدلة القاطعة باطل، لأن نقيض الحق، لا يكون إلا باطلا‏.‏
ومنها‏:‏ أن الله تعالى أعطى كل مخلوق، قدرة، وإرادة، يتمكن بها من فعل ما كلف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرم على أحد ما لا يتمكن من تركه؛ فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر، ظلم محض وعناد صرف‏.
ومنها‏:‏ أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم، بل جعل أفعالهم تبعا لاختيارهم، فإن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا كفوا‏.‏ وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر، وأنكر المحسوسات؛ فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية، وإن كان الجميع داخلا في مشيئة الله، ومندرجا تحت إرادته‏.‏
ومنها‏:‏ أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك‏؛ فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك، بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج، ولغضبوا من ذلك أشد الغضب‏.‏
فيا عجبًا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه‏.‏ ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم‏؟‏
ومنها‏:‏ أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا، ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ"انتهى‏.‏ 
<تيسير الكريم الرحمن...>(2/82-83)

السبت، 11 يناير 2014

من نفائس الفصول:مداخل وخطوات الشيطان لإضلال ابن آدم...لا يكل ولايمل..فقاتل أومقتول...؟!!!




تأمل أخى هذا الحديث :
فعن سبرة بن أبي فاكه-رضى الله عنه-
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه،

 فقعد له بطريق الإسلام،
 فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟! فعصاه فأسلم،
 ثم قعد له بطريق الهجرة،
 فقال : تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول؟!((الطول: الحبل الطويل، يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه، ويرعى ولا يذهب لوجهه)) فعصاه فهاجر،
 ثم قعد له بطريق الجهاد،
 فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟! فعصاه فجاهد".
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فمن فعل ذلك كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة.
 ومن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة.
 وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة،
أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة
".
<الصحيحة2979> 
وقال الإمام ابن القيم-رحمه الله-: عند كلامه  في تفسير قوله تعالى:: { من شر الوسواس }من سورة الناس-كأنه يشرح هذا الحديث-:
"فإن قوله: { من شر الوسواس }: يعم كل شره ،ووصفه بأعظم صفاته ، وأشدها شرًا ، وأقواها تأثيرًا ،وأعمها فسادًا ، وهي الوسوسة..
 فإن القلب يكون فارغًا من الشر والمعصية. فيوسوس إليه ويخطر الذنب بباله؛ فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه ؛ فيصير شهوة ويزينها له ، ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه، فيصير إرادة،
 ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي ، وينسي علمه بضررها ويطوي عنه سوء عاقبتها؛
 فيحول بينه وبين مطالعته؛ فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط وينسى ما وراء ذلك؛
 فتصير الإرادة عزيمة جازمة فيشتد الحرص عليها من القلب. فيبعث الجنود في الطلب فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم وعونًا. فإن فتروا حركهم ، وإن ونوا أزعجهم ،كما قال تعالى: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزًا } أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا ؛
 كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم؛ فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب ، وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة ، وأتم مكيدة ،
 قد رضي لنفسه بالقيادة لفجرة بني آدم ، وهو الذي استكبر وأبى أن يسجد لأبيهم  بتلك النخوة والكبر ، ولا يرضاه أن يصير قواداً الكل من عصى الله ، كما قال بعضهم:
عجبت من إبليس في تيهه ** وقبح ما أظهر من نخوته
      تاه على آدم في سجدة ** وصار قوادًا لذريته
فأصل كل معصية وبلاء، إنما هو الوسوسة. فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة من شرها أهم من كل مستعاذ منه ، وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضا.
...فمن شره إنه لص سارق لأموال الناس؛ فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه؛ فله فيه حظ بالسرقة والخطف، وكذلك يبيت في البيت إذا لم يذكر فيه اسم الله؛ فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم.
 فيدخل سارقًا ويخرج مغيرًا..
ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدًا تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد؛ فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة ؛فإن توضأ انحلت عقدة؛ فإن صلى انحلت عقده كلها ؛ فأصبح نشيطًا طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان».
ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر عنده رجل نام ليله حتى فأصبح قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنه». رواه البخاري.
ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها؛
 فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه؛ فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع؛
 فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته.
ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم،
 ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة،
 ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطة للنار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين،
 ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض وقصد أن تكون الدعوة له. وأن يعبد من دون الله؛
 فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته وإقامة دعوة الكفر والشرك ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض.
ويكفي من شره أنه...تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وظاهر الكفار على قتله بجهده والله تعالى يكتبه ويرده خاسئًا،
 وتفلت على النبي صلى الله عليه وسلم بشهاب من نار يريد أن يرميه به وهو في الصلاة. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألعنك بلعنة الله».
 وأعان اليهود على سحرهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته،
 ولا يمكن حصر أجناس شره فضلًا عن آحادها.
 إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه.
 ولكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدًا منها أو أكثر:
الشر الأول: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد فلا يزال به حتى يناله منه.
 فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره ، واستنابه على أمثاله وأشكاله؛  فصار من دعاة إبليس ونوابه.
فإن يأس منه من ذلك ، وكان ممن سبقت له الإسلام في بطن أمه، نقله إلى المرتبة الثانية: من الشر وهي البدعة ، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي ،
 لأن ضررها في نفس الدين ، وهو ضرر متعد ، وهي ذنب لا يتاب منه ، وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعا إلى خلاف ما جاؤوا به ، وهي باب الكفر والشرك؛
 فإذا نال منه البدعة ، وجعله من أهلها، بقي أيضا نائبه وداعيًا من دعاته.
فإن أعجزه من هذه المرتبة وكان الجد ممن سبق له من الله موهبة السنة ، ومعاداة أهل البدع والضلال نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر: وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فهو أشد حرصًا على أن يوقعه فيها. ولا سيما إن كان عالمًا متبوعًا ؛ فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه،
 ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينًا وتقربًا بزعمه إلى الله تعالى ، وهو نائب إبليس، ولا يشعر ؛ {فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} ،هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها؛ فكيف إذا تولوا هم إشاعتها ، وإذاعتها لا نصيحة منهم، ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه، كل ذلك لينفر الناس عنه ، وعن الانتفاع به ، وذنوب هذا ، ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء ؛ فإنها ظلم منه لنفسه إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته، وبدل سيئاته حسنات، وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم. والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس.
فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابعة: وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاجها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك ، مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض". وذكر حديثًا معناه: أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا، ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها؛ فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالًا منه.
فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الخامسة: وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ، ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها.
فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة ، وكان حافظًا لوقته شحيحًا به يعلم مقدار أنفاسه،وانقطاعها،وما يقابلها من النعيم والعذاب. نقله إلى المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه، ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل. فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له. إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه.
 قل من يتنبه لهذا من الناس ؛ فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًا ومحركًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان؛ فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذور؛ 
ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله ،وأحبها إليه وأرضاها له ،وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم، 
 ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض.
 وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك ؛فلا يخطر بقلوبهم ،والله يمن بفضله على من يشاء من عباده.
فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه،
 سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى ،والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه، وقصد إخماله واطفاءه؛ ليشوش عليه قلبه ،ويشغل بحربه فكره ،وليمنع الناس من الانتفاع به؛
 فيبقى سعيه في تسليط المبطللين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر ولا يني؛ فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب، ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب.
 فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
فتأمل هذا الفصل ،وتدبر موقعه ،وعظيم منفعته ، واجعله ميزانك تزن به الناس، وتزن به الأعمال؛ فإنه يطلعك على حقائق الوجود ومراتب الخلق والله المستعان وعليه التكلان، ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذا الفصل لكان نافعًا لمن تدبره ووعاه"انتهي باختصاريسير.
<يدائع الفوائد>(1/2/218-222)

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...