الثلاثاء، 26 مايو 2015

قصة قول عمربن الخطاب-رضى الله عنه-: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا !!!

ذكر البلاذري في كتابه [فتوح البلدان](1/444-446) بسنده :
حَدَّثَنَا هناد، قَالَ: حَدَّثَنَا الأسود بْن شيبان، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِد بْن سمير قَالَ:

 انقش رجل يقال له معن بْن زائدة عَلَى خاتم الخلافة؛ فأصاب مالا من خراج الكوفة عَلَى عهد عُمَر، فبلغ ذلك عُمَر؛
 فكتب إِلَى المغيرة بْن شعبة :
 أنه بلغني أن رجلاً يقال له معن بْن زائدة انتقش عَلَى خاتم الخلافة ؛ فأصاب به مالاً من خراج الكوفة، فإذا أتاك كتابي هَذَا فنفذ فيه أمري وأطع رسولي.
 فلما صلى المغيرة العصر وأخذ الناس مجالسهم خرج ومعه رَسُول عُمَر فاشرأب الناس ينظرون إليه حَتَّى وقف عَلَى معن ثُمَّ قَالَ للرسول: إن أمير الْمُؤْمِنِين أمرني أن أطيع أمرك فيه فمرني بما شئت،
 فقال الرسول: أدع لي بجامعة أعلقها في عنقه ؛ فأتي بجامعة فجعلها في عنقه وجبذها جبذا شديدا، ثُمَّ قَالَ للمغيرة: احبسه حَتَّى يأتيك فيه أمر أمير الْمُؤْمِنِين؛ ففعل،
 وكان السجن يومئذ من قصب فتمحل معن للخروج وبعث إِلَى أهله أن ابعثوا لي بناقتي وجاريتي وعباءتي القطوانية ففعلوا فخرج منَ الليل وأردف جاريته، فسار حَتَّى إذا رهب أن يفضحه الصبح أناخ ناقته وعلقها، ثُمَّ كمن حَتَّى كف عنه الطلب.

فلما أمسى أعاد عَلَى ناقته العباءة وشد عليها وأردف جاريته، ثُمَّ سار حَتَّى قدم عَلَى عُمَر وهو موقظ المتهجدين لصلاة الصبح ومعه درته،
 فجعل ناقته وجاريته ناحية ثُمَّ دنا من عُمَر فقال:السلام عليك يا أمير الْمُؤْمِنِين ورحمة اللَّه وبركاته،
 فقال: وعليك. من أنت؟
قَالَ: معن بْن زائدة جئتك تائبا،
 قَالَ: أبت فلا يحيك اللَّه، 
فلما صلى صلاة الصبح،
 قَالَ للناس: مكانكم، فلما طلعت الشمس،
 قَالَ: هَذَا معن بْن زائدة انتقش عَلَى خاتم الخلافة ؛ فأصاب فيه مالاً من خراج الكوفة ، فما تقولون فيه،
 فقال قائل: اقطع يده،
وقال قائل: أصلبه ،
وعلي ساكت،
 فقال له عُمَر: ما تقول أَبَا الْحَسَن
 قَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِين رجل كذب كذبة عقوبته في بشره؛
 فضربه عُمَر ضربا شديدا- أو قَالَ مبرحا- وحبسه؛
 فكان في الحبس ما شاء اللَّه،
 ثُمَّ أنه أرسل إِلَى صديق له من قريش: أن كلم أمير الْمُؤْمِنِين في تخلية سبيلي،
 فكلمه القرشي، فقال : يا أمير الْمُؤْمِنِين معن بْن زائدة قَدْ أصبته منَ العقوبة بما كان له أهلاً؛ فإن رأيت أن تخلي سبيله،
 فقال عُمَر: ذكرتني الطعن وكنت ناسياً، علي بمعن؛
 فضربه ثُمَّ أمر به إِلَى السجن،
 فبعث معن إِلَى كل صديق له: لا تذكروني لأمير الْمُؤْمِنِين،
 فلبث محبوسا ما شاء اللَّه،
 ثُمَّ أن عُمَر انتبه له،
 فقال: معن ؛ 
فأتي به فقاسمه ، وخلى سبيله.

الاثنين، 23 فبراير 2015

درر من روائع التفسير:تفسير قوله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} يونس:7

قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}يونس:7
قال الإمام ابن جرير-رحمه الله-في "تفسيره" عند تفسيرها:
"يقول ، تعالى ذكره : إن الذين لا يخافون لقاءنا يوم القيامة ، فهم لذلك مكذبون بالثواب والعقاب ، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها ، راضون بها عوضا من الآخرة ، مطمئنين إليها ساكنين والذين هم عن آيات الله وهي أدلته على وحدانيته ، وحججه على عباده في إخلاص العبادة له {غافلون} ، معرضون عنها لاهون ، لا يتأملونها تأمل ناصح لنفسه ، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم عليه ، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون {أولئك مأواهم النار} ،
 يقول جل ثناؤه : هؤلاء الذين هذه صفتهم {مأواهم} ، مصيرهم إلى النار نار  جهنم في الآخرة {بما كانوا يكسبون} ، في الدنيا من الآثام والأجرام ، ويجترحون من السيئات .
والعرب تقول : " فلان لا يرجو فلانا " : إذا كان لا يخافه .
ومنه قول الله جل ثناؤه : {ما لكم لا ترجون لله وقارا} . [ سورة نوح : 13 ] ،
 ومنه قول أبي ذؤيب :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها    وخالفها في بيت نوب عواسل
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} ، قال : هو مثل قوله : {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها[ سورة هود :15].

حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله .
حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد عن قتادة : قوله {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون} ،
 قال : إذا شئت رأيت صاحب دنيا ،
 لها يفرح ، ولها يحزن ،
 ولها يسخط ، ولها يرضى .
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} ، الآية كلها ،
 قال :
هؤلاء أهل الكفر ، ثم قال : {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}". بإختصار

وقال الحافظ ابن كثير-رحمه الله-:
"يُخْبِر اللَّه تَعَالَى عَنْ حَال الْأَشْقِيَاء الَّذِينَ كَفَرُوا بِلِقَاءِ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يَرْجُونَ فِي لِقَائِهِ شَيْئًا وَرَضُوا بِهَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهَا نُفُوسهمْ.
 قَالَ الْحَسَن : وَاَللَّه مَا زَيَّنُوهَا وَلَا رَفَعُوهَا حَتَّى رَضُوا بِهَا وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ آيَات اللَّه الْكَوْنِيَّة؛ فَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا ، وَالشَّرْعِيَّة ؛ فَلَا يَأْتَمِرُونَ بِهَا ".

وقال العلامة السعدي-رحمه الله-:
يقول تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بدلا عن الآخرة.
{وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها.
فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون.
{وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة، عن المدلول المقصود.
{أُولَئِكَ} الذين هذا وصفهم {مَأْوَاهُمُ النَّارُ} أي: مقرهم ومسكنهم التي لا يرحلون عنها.
{بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} من الكفر والشرك وأنواع المعاصي،.."انتهى

الأحد، 22 فبراير 2015

من روائع الخطب : خطبة عمر بن عبدالعزيز-رحمه الله-

جاء في (تاريخ واسط) لبحشل / ت292 [1/187]:
"حدثنا اسلم، قال: ثنا أحمد بن سهل بن علي الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قال: ثنا عبد العزيز الماجشون عن عبيد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أنا شَيْبَةُ بْنُ الْمُسَاوِرِ الْوَاسِطِيُّ،
 قَالَ: حَضَرْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
 فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ. أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرْسِلْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولا وَلَمْ يُنْزِلْ بَعْدَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا.
فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَلالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
 وَمَا حَرَّمَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
 أَلا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ،
 وَلَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ،
 وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْ أَحَدِكُمْ وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلا.
 إِنَّهُ لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى..
 أَلا هَلْ بلّغت".

الأحد، 4 يناير 2015

من أفذاذنا العلماء

جاء في ترجمة العلامة الشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله-:
"أنه لا يتقاضى راتباً شهرياً..ولكنه -رحمه الله- محتسب أجره عند الله ، مكتف بما يقوم بشؤون حياته من أجرة بعض عمله"..
لذلك قالوا عنه :
"كان -رحمه الله- قوياً حتى مع الولاة ، مهيباً حتى عند الولاة ..عفيفاً قنوعاً ، مترفعاً عن أسباب الرضوخ والخضوع ، يصدق عليه قول الشاعر:
   خلقت عيوفاً لا أرى لأبن حرة  
          علىَّ يداً أغضى لها حين يغضبُ "انتهى

"مجلة البحوث الإسلامية"
ص234 بقلم الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع..

السبت، 3 يناير 2015

تنبيه مهم غاية متعلق بتفسير"أضواء البيان.." للعلامة الشنقيطي -رحمه الله-

قال تلميذه الشيخ عطية محمد سالم -رحمه الله-في مقدمة تتمة "أضواء البيان"8/5 ؛ [لأن العلامة الشنقيطي -رحمه الله- مات قبل إكماله ] بعد كلامه على آخر سورة"قد سمع" ،:
"..وعليه ينبغي أن يعلم أن "أضواء البيان" ليس تفسيراً شاملاً لجميع القرآن ، كما يظنه البعض ويتطلب فيه تفسير كل ما أشكل عليه.
بل هو تفسير خاص على منهج مختص به ، وهو تفسير ما أجمل من الآيات أياً كان سبب إجماله من حيث اللفظ أو المعنى ،
وبيان هذا الإجمال من آيات أخر ؛ سواءً كان بالمنطوق أو المفهوم أو الفحوى ، أو بسنة قائمة ثم إستتباع ذلك ببيان الأحكام التى تؤخذ من هذه الآية .
فهو تفسير خاص ، وبمنهج مختص به"انتهى

الأحد، 21 ديسمبر 2014

درر من روائع الآثار: وكيف لا نسألك وقد سمعنا بكاؤك ؟!!!

روى الحافظ ابن أبي الدنيا -رحمه الله-في آخر كتابه[كِتَابُ المرض والكفارات]ص201-202 بسنده عن ابن المبارك-رحمه الله-أنه قال:
عمل أبو الربيع مِقنعة ؛ فمكث فيها أياماً يحكم صنعتها حتى فرغ منها ؛ فجاء بها إلى البزاز ، فألقاها إليه يبيعها ؛
فأخرج فيها عيباً وردها عليه ؛
 فقعد ناحية يبكي بكاءً حارّاً،
 فمرّ به اخوان له ، فقالوا : يا أبا الربيع ما يبكيك ؟
قال : لا تسئلوني،
قالوا: وكيف لا نسألك وقد سمعنا بكاؤك؟
قال: فاقعدوا ،
فقال لهم :ان هذه بيدي منذ كذا وكذا لم آلو أن أحكم صنعتها ؛ فجئت بها إلى هذا البزاز ؛ فأخرج عليّ فيها عيباً ، وضرب بها وجهي ؛ فكم من عمل لي أرى أنه قد صح لي عند ربي عزّوجل غداً يخرج عليّ عيوبه يضرب به وجهي،
قال: فقعدوا معه وجعلوا مأتماً يبكون معه.

و(مِقنعة):بكسر الميم ، والمقنع ، وهو ما تغطي المرأة رأسها به ، وهو أصغر من القناع .
و(البزاز):مَنْ يَتَّجِرُ في الثِّيابِ.

الأربعاء، 17 ديسمبر 2014

من درر الفوائد: قوله عليه الصلاة والسلام:"مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ ،.." : فقه وفوائد


اخرج الإمام البخاري-رحمه الله- في"صحيحه" [كتاب الشروط]: بَاب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ 
عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا :
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ،
 قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ
 فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ،
 وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ؛
 فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ ؛ فَأَلَحَّتْ !
فَقَالُوا : خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ !!؛
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ".
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في "الفتح":
قَوْلُهُ : ( بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، فَقَالَ النَّاسُ : حَلْ حَلْ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ،
 كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا تَرَكَتِ السَّيْرَ ، ..
قَوْلُهُ : ( فَأَلَحَّتْ ) بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَمَادَتْ عَلَى عَدَمِ الْقِيَامِ وَهُوَ مِنَ الْإِلْحَاحِ .

قَوْلُهُ : ( خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ ) الْخَلَاءُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمَدِّ لِلْإِبِلِ كَالْحِرَانِ لِلْخَيْلِ ، ..

قَوْلُهُ : ( وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ ) أَيْ بِعَادَةٍ ،
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : فِي هَذَا الْفَصْلِ ..
 جَوَازُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ؛
فَإِذَا وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ هَفْوَةٌ لَا يُعْهَدُ مِنْهُ مِثْلُهَا ؛ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِليها، وَمَعْذِرَةُ مَنْ نَسَبَهُ إِلَيْهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ صُورَةَ حَالِهِ ؛ لِأَنَّ خَلَاءَ الْقَصْوَاءِ لَوْلَا خَارِقُ الْعَادَةِ لَكَانَ مَا ظَنَّهُ الصَّحَابَةُ صَحِيحًا ، وَلَمْ يُعَاتِبْهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرِهِمْ فِي ظَنِّهِمْ".

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-عند كلامه على  قصة الحديبية وما فيها من الفوائد الفقهية:
" ومنها: ردُّ الكَلامِ الباطِل ولو نُسِبَ إلى غير مُكَلَّفٍ؛
 فإنهم لما قالوا: خلأتِ القَصْوَاءُ، يعني حَرَنَتْ وألحَّتْ، فلَمْ تَسِرْ، والخِلاء في الابل بكسر الخاء والمدِّ نظير الحِران في الخيل؛
 فلما نسبُوا إلى الناقة ما ليس من خُلُقِهَا وطبعها، ردَّهُ عليهم، وقال: "ما خَلأَتْ ومَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق"، 
ثم أخبر عن سبب بروكها، وأن الذي حَبَسَ الفيلَ عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت بسبب حبسها، وما جرى بعده".
وفي هذا الباب أيضاً ما جاء في "الصحيح":
 من حديث كعب بن مالك -رضى الله عنه- يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ،
 قَالَ:وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ،
 فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ:"مَا فَعَلَ كَعْبٌ " ، 
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ ،
فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ؛
 فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَالحديث

قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في"الفتح"عند كلامه عن ما فِي قِصَّةِ كَعْبٍ مِنَ الْفَوَائِدِ:
"جَوَازُ الطَّعْنِ فِي الرَّجُلِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى اجْتِهَادِ الطَّاعِنِ عَنْ حَمِيَّةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ .
 وَفِيهَا: جَوَازُ الرَّدِّ عَلَى الطَّاعِنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الرَّادِّ وَهْمُ الطَّاعِنِ أَوْ غَلَطُهُ ".

وقال الإمام ابن القيم في"الزاد" عند كلامه عن  ما في غزوة تبوك من الفقه والفوائد:
"ومنها: أن الإمام والمطاعَ لا ينبغي له أن يُهمِلَ مَنْ تخلَّفَ عنه في بعض الأُمور، بل يُذكِّره ليراجع الطاعة ويتوب، فإن النبي قال بتبوك: "مَا فَعَلَ كَعْب
ولم يذكر سِواه من المخلَّفين استصلاحًا له، ومُرعاةً وإهمالًا للقوم المنافقين.

ومنها: جوازُ الطعنِ في الرجل بما يغلِبُ على اجتهادِ الطاعن حميةً، أو ذبًّا عن الله ورسوله، ومن هذا طعنُ أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة، ومن هذا طعنُ ورثة الأنبياء وأهل السُّنَّة في أهل الأهواء والبِدَع ؛ للهِ لا لحظوظهم وأغراضهم.

ومنها: جوازُ الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الرادِّ أنه وهم وغلط ،
 كما قال معاذ للذي طعن في كعب: بئس ما قلتَ، واللهِ يا رسولَ الله ما علمنا عليه إلَّا خيرًا،
 ولم يُنْكِرْ رسولُ الله على واحد منهما"انتهى.
تكملة:
وهذه الأحاديث وغيرها دليل على القاعدة السلفية الأثرية:
فرقٌ بين إحتمال خطأ من عرف بتحريه للحق ، وبين من كان حاله  خلاف ذلك.

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...