الأربعاء، 14 مايو 2014

من درر:شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: قاعدة شريفة نافعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
"فصل فيه قاعدة شريفة 
وهى: أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية ، إنما تدل على الحق ، لا تدل على قول المبطل.
وهذا ظاهر، يعرفه كل أحد ؛ فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق ، لا على باطل.
 ويبقى الكلام في أعيان الأدلة ، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على الحق ؛ وهو تفصيل هذا الإجمال.
 والمقصود هنا شئ آخر، وهو: أن نفس الدليل الذى يحتج به المبطل ، هو بعينه إذا أعطى حقه ، وتميز ما فيه من حق وباطل ، وبين ما يدل عليه :تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه ،
وهذا عجيب ، قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية ؛ فوجدته كذلك!!!"انتهى
(مجموعة الفتاوى)6/242

الثلاثاء، 13 مايو 2014

التحذير من دين العوائد (كلام خطير)

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-في كتابه القيم [مفتاح دار السعادة]2/396-397: عند كلامه على طرق هداية الله لعباده المتنوعة :
"..وأضعف من هؤلاء إيماناً (يشير-رحمه الله-إلى من إستدلوا: بظهوره ، ورؤية غلبته صلى الله عليه وسلم ، للناس على صحة الرسالة) : من إيمانه العادة ، والمربا ، والمنشأ ؛ فإنه نشأ بين أبوين مسلمين ، وأقارب ، وجيران ، وأصحاب كذلك ؛ فنشأ كواحد منهم ، ليس عنده من الرسول ، والكتاب إلا إسمهما ، ولا من الدين إلا ما رإى عليه  أقاربه ، وأصحابه ؛ فهذا دين العوائد ، وهو أضعف شئ ، وصاحبه بحسب من يقترن به ؛ فلو قيض له من يخرجه عنه ، لم يكن عليه كلفة  في الإنتقال عنه "انتهى

الثلاثاء، 6 مايو 2014

من روائع القصص: مِنْ أَخْبَارِ الْبَكَّائِينَ -ماأروعها من قصة-

قال الحافظ ابن أبي الدينا-رحمه الله- في كتابه<الرقة والبكاء>ص194-197:
" حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُخَوَّلٌ، قَالَ: جَاءَنِي بَهِيمٌ يَوْمًا فَقَالَ لِي: تَعْلَمُ لِي رَجُلًا مِنْ جِيرَانِكَ أَوْ إِخْوَانِكَ يُرِيدُ الْحَجَّ تَرْضَاهُ يُرَافِقُنِي؟
 قُلْتُ: نَعَمْ،
 فَذَهَبْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْحَيِّ لَهُ صَلَاحٌ وَدِينٌ، فَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا، وَتَوَاطَآ عَلَى الْمُرَافَقَةِ.
 ثُمَّ انْطَلَقَ بَهِيمٌ إِلَى أَهْلِهِ،
 فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، أَتَانِي الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا هَذَا، أُحِبُّ أَنْ تَزْوِيَ عَنِّي صَاحِبَكَ وَتَطْلُبَ رَفِيقًا غَيْرِي.
 فَقُلْتُ: وَيْحَكَ فَلِمَ؟ فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ فِي الْكُوفَةِ لَهُ نَظِيرًا فِي حُسْنِ الْخَلْقِ وَالِاحْتِمَالِ، وَلَقَدْ رَكِبْتُ مَعَهُ الْبَحْرَ فَلَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: وَيْحَكَ حُدِّثْتُ أَنَّهُ طَوِيلُ الْبُكَاءِ لَا يَكَادُ يَفْتُرُ، فَهَذَا يُنَغِّصُ عَلَيْنَا الْعَيْشَ سَفَرَنَا كُلَّهُ.
 قَالَ: قُلْتُ: وَيْحَكَ إِنَّمَا يَكُونَ الْبُكَاءُ أَحْيَانًا عِنْدَ التَّذَكُّرِ، يَرِقُّ الْقَلْبُ فَيَبْكِي الرَّجُلُ، أَوَ مَا تَبْكِي أَحْيَانًا؟
 قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَمْرٌ  عَظِيمٌ جِدًّا مِنْ كَثْرَةِ بُكَائِهِ.
 قَالَ: قُلْتُ: اصْحَبْهُ، فَلَعَلَّكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِهِ ,
 قَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ.
 فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَا فِيهِ، جِيءَ بِالْإِبِلِ، وَوُطِّئَ لَهُمَا، فَجَلَسَ بَهِيمٌ فِي ظِلِّ حَائِطٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ لِحْيَتِهِ، وَجَعَلْتَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ عَلَى صَدْرِهِ، حَتَّى وَاللَّهِ رَأَيْتُ دُمُوعَهُ عَلَى الْأَرْضِ.
 قَالَ: فَقَالَ لِي صَاحِبِي: يَا مُخَوَّلُ , قَدِ ابْتَدَأَ صَاحِبُكَ، لَيْسَ هَذَا لِي بِرَفِيقٍ.
 قَالَ: قُلْتُ: ارْفُقْ، لَعَلَّهُ ذَكَرَ عِيَالَهُ وَمُفَارَقَتَهُ إِيَّاهُمْ فَرَقَّ.
 وَسَمِعَهَا بَهِيمٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَخِي مَا هُوَ ذَاكَ، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنِّي ذَكَرْتُ بِهَا الرِّحْلَةَ إِلَى الْآخِرَةِ.
 قَالَ: وَعَلَا صَوْتُهُ بِالنَّحِيبِ.
 قَالَ لِي صَاحِبِي: وَاللَّهِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ عَدَوَاتِكَ لِي أَوْ بُغْضِكَ إِيَّايَ، أَنَا مَا لِي وَلِبَهِيمٍ؟ إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُرَافِقَ بَيْنَ بَهِيمٍ وَبَيْنَ دَوَّادِ بْنِ عُلْبَةَ , وَدَاوُدَ الطَّائِيِّ، وَسَلَّامٍ أَبِي الْأَحْوَصِ، حَتَّى يَبْكِيَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،  حَتَّى يَشْتَفُّوا أَوْ يَمُوتُوا جَمِيعًا.
 قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْفُقُ بِهِ،
 وَقُلْتُ: وَيْحَكَ لَعَلَّهَا خَيْرُ سَفْرَةٍ سَافَرْتَهَا.
 - قَالَ: وَكَانَ طَوِيلَ الْحَجِّ، رَجُلًا صَالِحًا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا تَاجِرًا مُوسِرًا، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ حُزْنٍ وَلَا بُكَاءٍ-.
 قَالَ: فَقَالَ لِي: قَدْ وَقَعْتُ مَرَّتِي هَذِهِ، وَلَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ خَيْرًا.
 قَالَ: وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ لَا يَعْلَمُ بِهِ بَهِيمٌ، وَلَوْ عَلِمَ بِشَيْءٍ مِنْهُ مَا صَحِبَهُ.
 قَالَ: فَخَرَجَا جَمِيعًا، حَتَّى حَجَّا وَرَجَعَا، مَا يَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ لَهُ أَخًا غَيْرَ صَاحِبِهِ.
 فَلَمَّا جِئْتُ أُسَلِّمُ عَلَى جَارِي قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَخِي عَنِّي خَيْرًا، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي هَذَا الْخَلْقِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ؛
 كَانَ وَاللَّهِ يَتَفَضَّلُ عَلَيَّ فِي النَّفَقَةِ ، وَهُوَ مُعْدِمٌ وَأَنَا مُوسِرٌ، وَيَتَفَضَّلُ عَلَيَّ فِي الْخِدْمَةِ ، وَأَنَا شَابٌّ قَوِيُّ , وَهُوَ شَيْخٌ ضَعِيفٌ، وَيَطْبِخُ لِي , وَأَنَا مُفْطِرٌ وَهُوَ صَائِمٌ،
 قَالَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ كَانَ أَمْرُكَ مَعَهُ فِي الَّذِي كُنْتَ تَكْرَهُهُ مِنْ طُولِ بُكَائِهِ؟
 قَالَ: أَلِفْتُ وَاللَّهِ ذَلِكَ الْبُكَاءَ، وَسَرَّ قَلْبِي , حَتَّى كُنْتُ أُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَأَذَّى بِنَا أَهْلُ الرُّفْقَةِ.
 قَالَ: ثُمَّ وَاللَّهِ أَلِفُوا ذَلِكَ؛ فَجَعَلُوا إِذَا سَمِعُونَا نَبْكِي بَكَوْا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: مَا الَّذِي جَعَلَهُمْ أَوْلَى بِالْبُكَاءِ مِنَّا وَالْمَصِيرُ وَاحِدٌ؟
 قَالَ: فَجَعَلُوا وَاللَّهِ يَبْكُونَ وَنَبْكِي.
  قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَيْتُ بَهِيمًا فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،
 فَقُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَ صَاحِبَكَ؟
 قَالَ: كَخَيْرِ صَاحِبٍ، كَثِيرَ الذِّكْرِ، طَوِيلَ التِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ، سَرِيعَ الدَّمْعَةِ، مُحْتَمِلٌ لِهَفَوَاتِ الرَّفِيقِ؛
 فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا ".

الأربعاء، 30 أبريل 2014

من روائع المقالات: الاستدلال بقول: المسألة فيها خلاف !؟ للعلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان-حفظه الله-

الاستدلال بقول: المسألة فيها خلاف
قال الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضو عليه بالنواجذ"، الحديث 
هكذا يأمرنا الله ورسوله أننا عند اختلاف العلماء في حكم مسألة من المسائل أننا نأخذ من أقوالهم ما له دليل من الكتاب والسنة ونترك ما خالف الدليل لأن هذا علامة الإيمان بالله واليوم الآخر ولأنه خير لنا وأحسن عاقبة.
 وأننا إذا أخذنا بما خالف الدليل من الأقوال فإنه يفترق بنا عن سبيل الله ويوقعنا في سبيل التيه والضلال كما أخبر عن اليهود والنصارى أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله،
 ولما استشكل عدي بن حاتم رضي الله عنه اتخاذهم أربابًا من دون الله بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخاذهم أربابًا معناه طاعتهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله،
 وكثير من الناس اليوم إذا رأيته على مخالفة ونهيته عنها قال لك: المسألة فيها خلاف فيتخذ من الخلاف مبررًا له في ارتكاب ما هو عليه ولو كان مخالفًا للدليل فما الفرق بينه وبين ما كان عليه أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، 
فالواجب على هؤلاء أن يتقوا الله في أنفسهم ، ويعلموا أن وجود الاختلاف في المسألة لا يجيز لهم مخالفة الدليل،
 حتى صار كثير من الجهال يتتبع الأقوال المسجلة في الكمبيوتر نقلًا عن كتب الخلاف فيفتي بما يوافق هواه من تلك الأقوال من غير تمييز يبنى ما كان عليه دليل صحيح وما ليس عليه دليل إما لجهل منه أو عن هوى في نفسه ،
 والجاهل لا يجوز له أن يتكلم في شرع الله بناء على ما قرأه ورآه في عرض تسجيلي وهو لا يعرف ما مدى صحته وما مستنده من الكتاب والسنة،
 والله لم يأمرنا بالرجوع إلى مجرد ما في الكتاب الفقهي من غير فهم ؛ بل أمرنا بسؤال أهل العلم حيث قال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]، وصاحب الهوى لا يجوز له أن يتخذ هواه إلهًا من دون الله، فيأخذ من الأقوال ما يوافقه ويدع ما لا يوافقه.
قال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ) [القصص: 50]، (أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) [الفرقان: 43
 ولا يجوز لمن كان عنده علم أن يلتمس للناس ما يوافق أهواءهم فيضلهم عن سبيل الله بحجة التيسير؛ فالتيسير إنما هو بإتباع الدليل لئلا يكون من الذين قال الله فيهم: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [النحل: 25
 وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه:
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
رابط المقال على موقع الشيخ-حفظه الله-http://alfawzan.af.org.sa/node/13194

الجمعة، 21 فبراير 2014

من درر الفوائد:شرح نفيس مختصر لدعاء( دفع الهم والحزن)للإمام ابن القيم -رحمه الله-

قال -رحمه الله-  في كتابه العجاب<شفاء العليل>ص587-594:

"الباب السابع والعشرون: في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد تحت قوله: "ماض في حكمك عدل في قضاؤك" ، وما تضمنه الحديث من قواعد الدين

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا
 قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن،
 قال:" بلى ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن"
فقد دل هذا الحديث الصحيح على أشياء:
 منها: أنه استوعب أقسام المكروه الواردة على القلب:
 فالهم يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب،
 والحزن على مكروه ماض من فوات محبوب أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنا ،
والغم يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم؛
 فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه ، وقد تنوع الناس في طرق أدويتها ، والخلاص منها ، وتباينت طرقهم في ذلك تباينا لا يحصيه إلا الله بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها ،  وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة؛ لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها ، 
 وكمن يتداوى منها باللهو واللعب ، والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك؛ فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها،
 وكلهم قد أخطأ الطريق؛ إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها، وهو دواء مركب من مجموع أمور، متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره ، وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار، قال تعالى: {اعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
 وفي الحديث: "فإن الشيطان يقول أهلك بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"[ضعيف
 ولذلك كان الدعاء المفرج للكرب محض التوحيد ، وهو : " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، لا إله إلا هو رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم
 وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوة أخي ذي النون ما دعاها مكروب إلا فرج الله كربه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" ؛
 فالتوحيد يدخل العبد على الله، والاستغفار والتوبة يرفع المانع ، ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه؛ فإذا وصل القلب إليه زال عنه همه وغمه وحزنه ، وإذا انقطع عنه حصرته الهموم والغموم والأحزان وأتته من كل طريق ودخلت عليه من كل باب؛
 فلذلك صدر هذا الدعاء المذهب للهم والغم والحزن بالاعتراف له بالعبودية حقا منه ، ومن آياته ثم أتبع ذلك باعترافه بأنه في قبضته وملكه وتحت تصرفه بكون ناصيته في يده يصرفه كيف يشاء،  كما يقاد من أمسك بناصيته شديد القوى لا يستطيع إلا الانقياد له ، ثم أتبع ذلك بإقراره له بنفاذ حكمه فيه وجريانه عليه شاء أم أبى ، وإذا حكم فيه بحكم لم يستطع غيره برده أبدا، وهذا اعتراف لربه بكمال القدرة عليه واعتراف من نفسه بغاية العجز والضعف؛ فكأنه قال أنا عبد ضعيف مسكين يحكم فيه قوى قاهر غالب ،وإذا حكم فيه بحكم مضى حكمه فيه ولا بد ، ثم أتبع ذلك باعترافه بأن كل حكم وكل قضية ينفذها فيه هذا الحاكم؛ فهي عدل محض منه لا جور فيها ولا ظلم بوجه من الوجوه،  فقال:" ماض في حكمك عدل في قضاؤك" ، وهذا يعم جميع أقضيته سبحانه في عبده؛
 قضائه السابق فيه قبل إيجاده،
 وقضائه فيه المقارن لحياته،
 وقضائه فيه بعد مماته ،
وقضائه فيه يوم معاده،
 ويتناول قضاءه فيه بالذنب،
 وقضائه فيه بالجزاء عليه ،
ومن لم يثلج صدره لهذا ويكون له كالعلم الضروري، لم يعرف ربه وكماله ، ونفسه وعينه ولا عدل في حكمه بل هو جهول ظلوم؛ فلا علم ولا إنصاف.
 .. والمقصود أنه أعدل العادلين في قضائه بالسبب وقضائه بالمسبب؛ فما قضى في عبده بقضاء إلا وهو واقع في محله الذي لا يليق به غيره، إذ هو الحكم العدل الغني الحميد.
                                   فصل
... وقد دل الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة بل هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه ، ولهذا لم يقل بكل اسم خلقته لنفسك ، ولو كانت مخلوقة لم يسأله بها ؛ فإن الله لايقسم عليه بشيء من خلقه ؛ فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم ، وأيضا فإن أسماءه مشتقة من صفاته ، وصفاته قديمة به فأسماؤها غير مخلوقة، ...
 فقوله في الحديث: "سميت به نفسك" ولم يقل خلقته لنفسك ، ولا قال سماك به خلقك دليل على أنه سبحانه تكلم بذلك الاسم وسمى به نفسه،  كما سمى نفسه في كتبه التي تكلم بها حقيقة بأسمائه،
 وقوله:" أو استأثرت به في علم الغيب عندك" دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين ، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره ، وعلى هذا فقوله :"أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" لا ينفي أن يكون له غيرها ، والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة كما يقال: لفلان مائة عبدا أعدهم للتجارة ، وله مائة فرس أعدها للجهاد وهذا قول الجمهور، وخالفهم ابن حزم فزعم: أن أسماءه تنحصر في هذا العدد.
 وقد دل الحديث على: أن التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته أحب إليه ، وأنفع للعبد من التوسل إليه بمخلوقاته ، وكذلك سائر الأحاديث ، كما في حديث الاسم الأعظم: "اللهم أني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم
 وفي الحديث الآخر: "أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" ، 
وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق
 وكلها أحاديث صحاح رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم،
 وهذا تحقيق لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
 وقوله:" أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري" يجمع أصلين الحياة والنور؛ فإن الربيع هو المطر الذي يحيي الأرض فينبت الربيع؛ فيسأل الله بعبوديته وتوحيده وأسمائه وصفاته أن يجعل كتابه الذي جعله روحا للعالمين ونوراو حياة لقلبه بمنزلة الماء الذي يحيي به الأرض ، ونورا له بمنزلة الشمس التي تستنير بها الأرض ، والحياة والنور جماع الخير كله،  قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} فأخبر أنه روح تحصل به الحياة ، ونور تحصل به الهداية؛
 فأتباعه لهم الحياة والهداية ، 
ومخالفوه لهم الموت والضلال،
 وقد ضرب سبحانه المثل لأوليائه وأعدائه بهذين الأصلين في أول سورة البقرة ، وفي وسط سورة النور ، وفي سورة الرعد ، وهما المثل المائي ، والمثل الناري،
 وقوله:" وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" إن جلاء هذا يتضمن إزالة المؤذي الضار ، وذلك يتضمن تحصيل النافع السار؛
 فتضمن الحديث طلب أصول الخير كله ، ودفع الشر.
 وبالله التوفيق"انتهى باختصار.
وقال-رحمه الله-في كتابه العجاب"زاد المعاد"ص816-817:
"وأما حديث ابن مسعود: "اللهُمَّ إني عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَففيه من المعارف الإلهية، وأسرارِ العبودية ما لا يتَّسِعُ له كتاب، فإنه يتضمَّن الاعترافَ بعبوديته وعبودية آبائه وأُمهاته، وأنَّ ناصيته بيده يُصرِّفها كيف يشاء، فلا يملِك العبدُ دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً، ولا نُشورًا، لأنَّ مَن ناصيتُه بيد غيره، فليس إليه شىءٌ من أمره، بل هو عانٍ في قبضته، ذليل تحت سلطان قهرِه.
وقوله: "ماضٍ في حُكْمُكَ عَدْلٌ في قضاؤكَ" متضمنٌ لأصلين عظيمين عليهما مدارُ التوحيد:
أحدهما: إثباتُ القَدَر، وأنَّ أحكام الرَّبِّ تعالى نافذةٌ في عبده ماضيةٌ فيه، لا انفكاكَ له عنها، ولا حِيلةَ له في دفعها.
والثاني: أنه سبحانه عدلٌ في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده، بل لا يخرُج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإنَّ الظلم سببه حاجةُ الظالم، أو جهلُه، أو سفهُه، فيستحيلُ صدورهُ ممن هو بكل شىء عليمٌ، ومَن هو غنيٌ عن كل شىء، وكلُّ شىء فقيرٌ إليه، ومَنْ هو أحكم الحاكمين، فلا تخرُج ذَرَّةٌ مِن مقدوراته عن حِكمته وحمده، كما لم تخرج عن قُدرته ومشيئته، فحِكمته نافذة حيثُ نفذتْ مشيئته وقُدرته، ولهذا قال نبي الله هودٌ صَلَّى الله على نبينا وعليه وسَلَّم، وقد خَوَّفه قومُه بآلهتهم: { إني أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُواْ إني بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إني تَوَكَّلْتُ علَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم * مَّا مِن دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، أي مع كونه سبحانه آخذًا بنَواصى خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراطٍ مستقيمٍ لا يتصرَّفُ فيهم إلا بالعدل والحكمة، والإحسان والرحمة. فقوله: "ماضٍ في حُكْمُكَ"، مطابقٌ لقوله: { مَا مِن دَابَّةٍ إلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا }، وقولُه: "عَدْلٌ في قضاؤكَ"، مطابقٌ لقوله: { إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ،
 ثم توسَّلَ إلى رّبِّه بأسمائه التي سمَّى بها نفسه ما عَلِمَ العبادُ منها وما لم يعلموا. ومنها: ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يُطلع عليه مَلَكًا مُقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلةُ أعظمُ الوسائل، وأحبُّها إلى الله، وأقربُها تحصيلًا للمطلوب.
ثم سأله أن يجعلَ القرآن لِقلبه كالربيع الذي يرتَع فيه الحيوانُ، وكذلك القرآنُ ربيعُ القلوب، وأن يجعلَه شفاءَ هَمِّه وغَمِّه، فيكونُ له بمنزلة الدواء الذي يستأصِلُ الداء، ويُعيدُ البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحُزنه كالجِلاء الذي يجلو الطُّبوعَ والأصديةَ وغيرها،
 فأحْرَى بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يُزيلَ عنه داءه،
 ويُعقبه شفاءً تامًا، وصحةً وعافيةً.
 والله الموفق".

السبت، 25 يناير 2014

درر من روائع تفسير العلامة السعدي-رحمه الله-:ما أعظمه من ترغيب في طلب العلم...!

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره القيم <تيسير الكريم الرحمن..> عند تفسير قوله تعالي:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين}[العنكبوت:69]:
"{‏وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا‏} وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، ‏{‏لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا‏}‏ أي‏:‏ الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون‏.‏
{‏وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ‏} بالعون والنصر والهداية‏.
دل هذا، على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به أعانه اللّه ، ويسر له أسباب الهداية،
 وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي؛ فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم؛
 فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل اللّه،
 بل هو أحد نَوْعَي الجهاد، الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان، للكفار والمنافقين،
 والجهاد على تعليم أمور الدين،
 وعلى رد نزاع المخالفين للحق، ولو كانوا من المسلمين‏"انتهى.‏

السبت، 18 يناير 2014

من روائع المقالات: حالنا مع الهوى ، وأمثلة دقيقة لمحاسبة النفس في ذلك..لذهبي عصره-رحمه الله-



قال العلامة-ذهبي عصره- عبدالرحمن بن يحي المعلمى اليمانى-رحمه الله-عند كلامه عن  عشرة " أمور ينبغي للإنسان أن يقدم التفكير فيها، ويجعلها نصب عينيه" ثم ذكر منها:
"4 - يفكر في حاله مع الهوى، أفرض أنه بلغك أن رجلاً سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآخر سب داود عليه السلام، وثالثاً سب عمر أو علياً رضي الله عنهما، ورابعاً سب إمامك، وخامساً سب إماماً آخر، أيكون سخطك عليهم وسعيك في عقوبتهم وتأديبهم أو التنديد بهم موافقاً لما يقتضيه الشرع ؛ فيكون غضبك على الأول والثاني قريباً من السواء وأشد مما بعدهما جداً، وغضبك على الثالث دون ذلك وأشد مما بعده، وغضبك على الرابع والخامس قريباً من السواء ودون ما قبلهما بكثير؟
أفرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبين منهما بعد التدبر صحة ما لاح  لك أو عدم صحته؟
أفرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولاً لإمامك والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيها سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما أو يضعف؟
أفرض انك نظرت في مسألة قال إمامك قولاً وخالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منهما فتبين رجحانه؟
أفرض أن رجل تحبه وآخر تبغضه تنازعا في قضية فاستفتيت فيها ولا تستحضر حكمها وتريد أن تنظر ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟
أفرض أنك وعالماً تحبه وآخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية وأطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صواباً، ثم بلغك أن عالماً آخر أعترض على واحدة من تلك الفتاوى وشدد النكير عليها أتكون حالك واحدة سواء كانت هي فتواك أم فتوى صديقك أم فتوى مكروهك؟
أفرض أنك تعلم من رجل منكراً وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه، ثم بلغك أن عالماً أنكر عليه وشدد النكير، أيكون  استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكر صديقك أم عدوك، والمنكر عليه صديقك أم عدوك؟
فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أو نقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أو نقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟
فهل تجد إستشناعك ما هو عليه مساوياً لإستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساوياً لمقتك إياه؟
وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى، وقد جربت نفسي: أنني ربما أنظر في القضية زاعماً أنه لا هوى لي فيلوح لي فيها معنى، فأقرره تقريراً يعجبني، ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرم بذاك الخادش وتنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه ، وغض النظر عن مناقشة ذاك الجواب، وإنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولاً تقريراً أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لا يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم لاح لي الخدش؟
 فكيف لولم يلح لي الخدش ولكن رجلاً آخر أعترض علي به؟ فكيف كان المعترض ممن أكرهه؟
هذا ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع،
وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه ثم يحترز منه ، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه. وهذا والله أعلم معنى الحديث الذي ذكره النووي في (الأربعين) وذكر أن سنده صحيح وهو «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» (ضعيف) .
 والعالم قد يقصر في الإحتراس من هواه ، ويسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره. وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجوا منه إلا المعصوم،
 وإنما يتفاوت العلماء؛ فمنهم من يكثر الإسترسال مع هواه، ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ، ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد،
 ومنهم من يقل ذلك منه ويخف،
 ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأساً ، رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفاً لما في تلك الكتب، على أنه استرسل مع هواه زعم أن  موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى.
 وقد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ من الجانب الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوة وعدوه ؛ فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق ، ويكون عن يمينه مزلة فيتقيها ويتباعد عنها؛ فيقع في مزلة عن يساره!"انتهى
<القائد لتصحيح العقائد>(1/31-33)

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...