الاثنين، 8 أكتوبر 2012

من نفائس الفصول: الفتنة في الدين:أنواعها -أسبابها-ما ينجى منها...للامام ابن القيم-رحمه الله-

قال الامام ابن القيم-رحمه الله- في "الاغاثة"(2/122-123:

" فصل

والفتنة نوعان
فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين،
 وفتنة الشهوات ، 
وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما ؛
ففتنة الشبهات : من ضعف البصيرة وقلة العلم ، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى ؛
 فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى؛ فقل ما شئت في ضلال سيء القصد الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته ، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله ؛ فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس
 وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله فقال:
 {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب}.
وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين ، 
وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم ؛
 فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات، التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل والهدى بالضلال.
ولا ينجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، 
وتحكيمه في دق الدين وجله،
 ظاهره وباطنه ،
عقائده ،وأعماله، 
حقائقه وشرائعه ؛ 
فيتلقى عنه حقائق الإيمان، وشرائع الإسلام ،
 وما يثبته لله من الصفات ،والأفعال والأسماء ،
 وما ينفيه عنه ، 
كما يتلقى عنه وجوب الصلوات ،وأوقاتها ،وأعدادها ،
 ومقادير نصب الزكاة ومستحقيها ،
 ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة ،
 وصوم رمضان؛
 فلا يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين ؛ 
بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل،
 لا يتلقى إلا عنه ،ولا يؤخد إلا منه؛
 فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله ، 
وكل ما خرج عنها ؛ فهو ضلال ؛
فإذا عقد قلبه على ذلك ، وأعرض عما سواه ،ووزنه بما جاء به الرسول؛
 فإن وافقه قبله ، 
لا لكون ذلك القائل قاله بل؛ لموافقته للرسالة ،
وإن خالفه رده ولو قاله من قاله ؛
 فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات ،
وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه.
وهذه الفتنة تنشأ :
تارة من فهم فاسد ، 
وتارة من نقل كاذب ،
وتارة من حق ثابت خفى على الرجل ؛ فلم يظفر به ، 
وتارة من غرض فاسد، وهوى متبع؛
 فهي من عمى في البصيرة ،
وفساد في الإرادة ".
وقال:(2/123-124):
" ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه.
وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
وأصل كل فتنة : إنما هو من تقديم الرأي على الشرع ، 
والهوى على العقل ؛
فالأول: أصل فتنة الشبهة ،
والثاني: أصل فتنة الشهوة ؛
ففتنة الشبهات تدفع باليقين ، 
وفتنة الشهوات تدفع بالصبر ، 
ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين؛
 فقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.
فدل على أنه بالصبر واليقين؛ تنال الإمامة في الدين.
وجمع بينهما أيضا في قوله: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
  فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات،
 وبالصبر الذي يكف عن الشهوات؛
 وجمع بينهما في قوله: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار
 فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله ،
والأبصار: البصائر في أمر الله، وعبارات السلف تدور على ذلك:
قال ابن عباس: أولى القوة في طاعة الله والمعرفة بالله.
وقال الكلبي: أولى القوة في العبادة والبصر فيها.
وقال مجاهد: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر في الحق.
وقال سعيد بن جبير: الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم
وقال جاء في حديث مرسل: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات.
فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة ،
وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة والله المستعان"انتهى



الأحد، 7 أكتوبر 2012

من درر النصائح :نصيحة لعاشق الصور ، والشهوات المحرمة !؟


 قال الامام ابن القيم -رحمه الله- محذراً وناصحاً ، عشاق الصور والشهوات المحرمة :
 " فيا حسرة المحب الذي باع نفسه ، لغير الحبيب الأول ؛
 بثمن بخس، وشهوة عاجلة ،
 ذهبت لذتها وبقيت تبعتها ، 
 وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها؛ 
فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة،
 وزالت النشوة وبقيت الحسرة ؛
 فوارحمتاه لصب جمع له بين الحسرتين
حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم ،
وحسرة ما يقاسيه من النصب في العذاب الأليم ؛
فهناك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع ،وأن من كان مالك رقه وقلبه ؛
 لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع؛
 فاي مصيبة أعظم من مصيبة ملك أنزل عن سرير ملكه ،وجعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرا ، وجعل تحت أوامره ونواهيه مقهورا ؛
فلو رأيت قلبه وهو في يد محبوبه لرأيته:
كعصفورة في كف طفل يسومها... حياض الرديء والطفل يلهو ويلعب
ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت:
وما في الأرض أشقى من محب... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل   حين          ...    مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم       ... ويبكي إن دنوا حذر الفراق
ولو شاهدت نومه وراحته:
 لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليس يلتقيان ،
ولو شاهدت فيض مدامعه ولهيب النار في أحشائه لقلت:
سبحان رب العرش متقن صنعه... ومؤلف الأضداد دون تعاند
قطر تولد عن لهيب في الحشا     ... ماء ونار في محل واحد
ولو شاهدت مسلك الحب في القلب وتغلغله فيه لعلمت:
 أن الحب ألطف مسلكا فيه من الأرواح في أبدانها
فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب، ويوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لا غناء له عنه ولا بد له منه أعظم الحجاب؛
 فالمحب بمن أحبه ، قتيل وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لباه ،
وإن قيل له :ما تتمنى؛ فهو غاية ما يتمناه ، لا يأنس ولا يسكن إلى سواه؛
 فحقيق به أن لا يملك رقه إلا لأجل حبيب ،وأن لا يبيع نصيبه منه بأخس نصيب"انتهى

السبت، 6 أكتوبر 2012

من روائع المقالات:الميزان الذي يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه ..(ومن هم خير الناس)!

قال الامام ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالي-في كتابه العجاب"اغاثة اللهفان"(1/104):


"وقال أهل الاقتصاد والاتباع:
 قال الله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر} [ الأحزاب: 21 ] ، 
وقال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [ النساء: 21 ]،
 وقال تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون } [ الأعراف: 158 ] ، 
وقال تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فا تبعوه ولا تتبعوا السبلى فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [ الأنعام: 153 ].
وهذا الصراط المستقيم الذي وصانا باتباعه هو الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهو قصد السبيل ، 
وما خرج عنه ؛ فهو من السبل الجائرة ، وإن قاله من قاله ؛ 
لكن الجور قد يكون جورا عظيما عن الصراط ، وقد يكون يسيرا ،
 وبين ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله ،
  وهذا كالطريق الحسي ؛ فإن السالك قد يعدل عنه ويجور جورا فاحشا ،وقد يجور دون ذلك ؛ 
فالميزان الذي يعرف به الاستقامة على الطريق والجور عنه هو ما كان رسول الله وأصحابه عليه، 
والجائر عنه
إما مفرط ظالم ، 
أو مجتهد متأول ،
أو مقلد جاهل ؛ 
فمنهم :
المستحق للعقوبة ،
 ومنهم المغفور له ، 
ومنهم المأجور أجرا واحدا ، 
بحسب نياتهم ، ومقاصدهم ، واجتهادهم في طاعة الله تعالى ورسوله ،
أو تفريطهم "انتهى

وقال -رحمه الله-(1/143):



" فلعمر الله إنهما لطرفا إفراط وتفريط ، وغلو وتقصير ، وزيادة ونقصان ، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الأمرين في غير موضع: كقوله: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [ الإسراء: 29 ] ،
  وقوله:{ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} [ الروم: 38 ]، وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [ الفرقان: 67 ]، وقوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [ الأعراف: 31 ]
فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه ، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين،
  وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا ، وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين ، 
والعدل : هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط ،
والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف ، والأوساط محمية بأطرافها؛
 فخيار الأمور أوساطها ، قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ...بها الحوادث حتى أصبحت طرفا "انتهى

الجمعة، 5 أكتوبر 2012

من نفائس الوصايا: احذر من طلاقة الوجه لأهل البدع والنسوان..؟!وأنه من مكائد الشيطان


قال الامام ابن القيم-رحمه الله-في كتابه القيم(اغاثة اللهفان) في صدد تحذيره وبيانه لأنواع مكائد الشيطان و مكره :

فصل

ومن أنواع مكايده ومكره:
 أن يدعو العبد بحسن خلقه وطلاقته وبشره إلى أنواع من الآثام والفجور؛ 
 فيلقاه من لا يخلصه من شره ، إلا تجهمه ، والتعبيس في وجهه ، والإعراض عنه؛ فيحسن له العدو أن يلقاه ببشره، وطلاقة وجهه ، وحسن كلامه ؛ فيتعلق به فيروم التخلص منه، فيعجز ؛
 فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى يصيب حاجته ؛
 فيدخل على العبد بكيده من باب حسن الخلق، وطلاقة الوجه ،
 ومن ههنا وصى أطباء القلوب: بالإعراض عن أهل البدع، وأن لا يسلم عليهم، ولا يريهم طلاقة وجهه ، ولا يلقاهم إلا بالعبوس ،والإعراض.
وكذلك أوصوا : عند لقاء من يخاف الفتنة بلقائه من النساء ، والمردان
 وقالوا: متى كشفت للمرأة أو الصبي بياض أسنانك، كشفا لك عما هنا لك ،ومتى لقيتهما بوجه عابس وقيت شرهما.
ومن مكايده:
 أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوي الحاجات بوجه عبوس ،ولا تريهم بشرا ،ولا طلاقة؛ فيطمعوا فيك ،ويتجرأوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم ؛ فيحرمك صالح أدعيتهم ، وميل قلوبهم إليك ،ومحبتهم لك ؛ فيأمرك بسوء الخلق ، ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء ، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك؛ ليفتح لك باب الشر، ويغلق عنك باب الخير"انتهى

الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

من روائع التفسير:اضافة شريفة جذبت القلوب..وابكت العيون ، من غفل عنها (محروم)

نقل الامام السعدي-رحمه الله-في تفسيره القيم عن الامام ابن القيم -رحمه الله- عند تفسير قوله تعالى:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) }آل عمران-بعد كلام تقدم-:

" ومن فوائد الآية وأسرارها: أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي، وهو الأكثر، وبلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } ،{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ،{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } ،
 وفي الحج أتى بهذا اللفظ الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه:
  أحدها :أنه قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي: سبيل تيسرت، من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا، ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال: { ومن كفر} أي: لعدم التزامه هذا الواجب وتركه، ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره ما يستغنى به عنه، والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو أعظم التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم {العالمين}عموما، ولم يقل: فإن الله غني عنه، لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه بكل اعتبار، فكان أدل لعظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه، ثم أكد هذا المعنى بأداة {إن}الدالة على التأكيد، فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم.
وتأمل سر البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين، مرة بإسناده إلى عموم الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرر الإسناد ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته.
ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وخلتين، اعتناء به وتأكيد لشأنه،
 ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما تدعوا النفوس إلى قصده وحجه وان لم يطلب ذلك منها،
 فقال: { إن أول بيت} إلخ، فوصفه بخمس صفات:
 أحدها: كونه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض،
 الثاني: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق، الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة، حتى كأنه نفس الهدى،
 الرابع: ما تضمن من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية، الخامس: الأمن الحاصل لداخله ،
وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه ،وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدل على الاعتناء منه سبحانه لهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله {وطهر بيتي} لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباله وشوقا إلى رؤيته ؛ فهذه المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم ، كما قيل:
أطــوف بـه والنفس بعـد مشـوقة

إليـه وهـل بعــد الطــواف تداني
وألثـم منـه الـركـن أطلـب برد ما

بقلبـي مـن شــوق ومـن هيمـان
فـواللـه مــا ازداد إلا صبــابـة

ولا القــلــب إلا كــثرة الخفقـان
فيــا جنـة المـأوى ويا غاية المنى

ويـا منيتـي مـن دون كـل أمــان
أبـت غلبــات الشــوق إلا تقـربا

إليــك فمــا لـي بالبـعـاد يـدان
ومــا كـان صـدى عنك صد ملالة

ولـي شــاهد مـن مقلتـي ولسـان
دعـوت اصطبـاري عنك بعدك والبكا

فلبـى البكـا والصـبر عنـك عصاني
وقــد زعمـوا أن المـحـب إذا نأى

سـيبلى هــواه بعـد طــول زمان
ولــو كـان هـذا الزعم حقا لكان ذا

دواء الهـوى فـي النـاس كـل زمان
بـلى إنــه يبـلـى والهـوى عـلى

حالــه       لم يبلــه الملـــوان 
وهـذا محــب قـاده الشوق والهوى

بغـــير زمــام قـائد وعنـــان
أتـاك عــلى بعد المـزار ولو ونت

مطيتــه جـــاءت بـه القـدمـان
انتهى كلامه رحمه الله تعالى"انتهي. 

وهوفي كتابه:(بدائع الفوائد)(1/2/46)

الخميس، 27 سبتمبر 2012

من درر وفوائد كتاب {تعظيم قدر الصلاة}للامام المروزي -رحمه الله-(الحياء من الله)


بسم الله الرحمن الرحيم
قرأت كتاب {تعظيم قدر الصلاة} للامام محمد بن نصر المروزي -رحمه الله-؛ فافدت منه جدا ، فما أجله من كتاب ،وما أغزر فوائده ،ولو أن طالب علم اختصره وهذبه ، لأنتفع به المسلمون ، ومما جاء فيه قوله :
" حدثنا يحيى بن يحيى أنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا يعظ أخاه في الحياء، فقال:" إن الحياء من الإيمان " .
 قال أبو عبدالله: والحياء حياءان
حياء من الله ،
 وحياء من الناس ، 
والذي هو أولى بالعبد: الحياء من الله عز و جل ، ولولا أن الله تعالى جعل الحياء من خلقه خلقا كريما، لما كان أحد غير الله يستوجب أن يستحيي منه ،إذ لا مالك لنفع ،ولا ضر غيره ، ولكنه أحب أن يستحي خلقه بعضهم من بعض؛ فيستروا عيوبهم منهم ،فلا يفتضح بعضهم عند بعض ؛
 فمن الحياء من الله : ما هو فرض ، ومنه فضيلة ونافلة ، 
وهو هائج عن المعرفة بعظمة الله وجلاله وقدرته ؛ لأنه إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد أورثه : الحياء من الله، والهيبة له ؛ فغلب على قلبه ذكر اطلاع الله العظيم ونظره بعظمته وجلاله إلى ما في قلبه وجوارحه، وذكر المقام غدا بين يديه، وسؤاله إياه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه ،وذكر دوام إحسانه إليه ،وقلة الشكر منه لربه ؛ فإذا غلب ذكر هذه الأمور على قلبه ، هاج منه الحياء من الله ؛ فاستحى الله أن يطلع على قلبه ،وهو معتقد لشيء مما يكره أو على جارحه من جوارحه يتحرك بما يكره ؛ فطهر قلبه من كل معصية ، ومنع جوارحه من جميع معاصيه إذ فهم عنه قوله : {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون } ،
وقال:{ وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل ألا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} ،
وقال:{ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
 وقال منكرا على من استخف بنظره { ألم يعلم بأن الله يرى }.
  حدثنا محمد بن يحيى ثنا أبو صالح ثنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن سعيد بن يزيد أنه سمعه يقول: إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم أوصني ،
 قال:" أوصيك أن تستحي الله ،كما تستحي رجلا صالحا من قومك".
 قال أبو عبدالله : ألست ترى أن الإنسان إذا علم أن رجلا صالحا ينظر إليه ،أو يسمع كلامه أمسك عن كل ما يخاف أن يمقته عليه ،أو يضع من قدره عنده ،ولو علم أنه يطلع على ما في ضميره لما أضمر إلا على ما يعلم أنه يحسنه عنده ،ويجمل وكذلك يستحي من الرجل الصالح من كل نقص في فضل إلا لمرض ؛ فأجمل النبي صلى الله عليه و سلم تفسير الحياء من الله في هذه الكلمة ؛ 
فمن استحيى من الله فيما يظهر وكل شيء ظاهر له كما يستحي من الرجل الصالح ، فقد استحيى من الله حق الحياء ؛ لأنه عالم بأن الله مطلع على ما في قلبه : فلا يدع قلبه يضمر على شيء مما يكره إن عرض له رياء في عمل  ،أو عجب ، أو كبرذكر نظر الله إليه فاستحيى منه أن يرى ذلك في قلبه ؛ فتركه ، 
واستحيى أيضا : من كل نقص يدخل فيه ، من فضول الدنيا أو من فضول الكلام ، وإن كان مباحا ؛لأنه يعلم أن الله قد زهده في ذلك ،ورغبه في تركه ؛ فهو يستحي أن يراه راغبا فيما زهده فيه ،
 وكذلك إن خاف غيره استحيى منه أن يراه يخاف غيره ،أو يرجوه أو يطمع فيه ، وهذه فضيلة ليست بفرض من ذلك.
 828 - ما حدثنا محمد بن يحيى ثنا أبو داود الطيالسي ثنا عبدالله بن المبارك عن يونس الأيلي عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبيه قال : سمعت أبا بكر الصديق يخطب الناس وهو يقول : يا أيها الناس استحيوا من الله ،فإني لأظل إذا أتيت الخلاء أغطي رأسي استحياء من ربي.
 829 - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن قتادة عن أبي مجلز قال : قال : أبو موسى إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حياء من ربي حتى آخذ ثوبي".
وكتبه: حسن بن حامد(أبومحمد السلفي)

الاثنين، 24 سبتمبر 2012

من روائع التفسير: تفسير قوله تعالي:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله- في تفسيره القيم عند تفسير قوله تعالي مادحا نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هو وأمي:{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }سورة القلم :4:
"
  {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } أي: عاليًا به، مستعليًا بخلقك الذي من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين، [عائشة -رضي الله عنها-] لمن سألها عنه، فقالت:"كان خلقه القرآن"، 
وذلك نحو قوله تعالى له: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } [الآية]، { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 
 وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، [والآيات] الحاثات على الخلق العظيم  فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان صلى الله عليه وسلم:
 سهلا لينا،
 قريبًا من الناس،
 مجيبًا لدعوة من دعاه، 
 قاضيًا لحاجة من استقضاه،
 جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبًا،
 وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور،
 وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم،
 ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها،
 فكان لا يعبس في وجهه،
 ولا يغلظ عليه في مقاله، 
ولا يطوي عنه بشره،
 ولا يمسك عليه فلتات لسانه،
 ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله عليه وسلم.
فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون قال: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ } وقد تبين أنه أهدى الناس، وأكملهم لنفسه ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس، [وشر الناس]  للناس، وأنهم هم الذين فتنوا عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه هو المحاسب المجازي.
و { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره"انتهي

وقال الامام ابن كثير -رحمه الله- عند تفسيرها:بعدما ذكر حديث أم المؤمنين عائشة-رضى الله عنها- الذى رواه مسلم في "صحيحه":
"وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى  عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أتقرأ القرآن؟
 فقلتُ: نعم. 
فقالت: كان خلقه القرآن:
" ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي،
 فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. 
هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل.
 كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: "أف" قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟
 وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا،
 ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم،
 ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البخاري: [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله]  حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها،
 وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير
والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب "الشمائل".
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. 
ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم،
 ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله، عز وجل. 
وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق". تفرد به"انتهي
 

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...