الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

من روائع التفسير:اضافة شريفة جذبت القلوب..وابكت العيون ، من غفل عنها (محروم)

نقل الامام السعدي-رحمه الله-في تفسيره القيم عن الامام ابن القيم -رحمه الله- عند تفسير قوله تعالى:{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) }آل عمران-بعد كلام تقدم-:

" ومن فوائد الآية وأسرارها: أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي، وهو الأكثر، وبلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } ،{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ،{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } ،
 وفي الحج أتى بهذا اللفظ الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه:
  أحدها :أنه قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي: سبيل تيسرت، من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا، ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال: { ومن كفر} أي: لعدم التزامه هذا الواجب وتركه، ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره ما يستغنى به عنه، والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو أعظم التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم {العالمين}عموما، ولم يقل: فإن الله غني عنه، لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه بكل اعتبار، فكان أدل لعظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه، ثم أكد هذا المعنى بأداة {إن}الدالة على التأكيد، فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم.
وتأمل سر البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين، مرة بإسناده إلى عموم الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرر الإسناد ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته.
ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وخلتين، اعتناء به وتأكيد لشأنه،
 ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما تدعوا النفوس إلى قصده وحجه وان لم يطلب ذلك منها،
 فقال: { إن أول بيت} إلخ، فوصفه بخمس صفات:
 أحدها: كونه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض،
 الثاني: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق، الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة، حتى كأنه نفس الهدى،
 الرابع: ما تضمن من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية، الخامس: الأمن الحاصل لداخله ،
وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه ،وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدل على الاعتناء منه سبحانه لهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله {وطهر بيتي} لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباله وشوقا إلى رؤيته ؛ فهذه المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم ، كما قيل:
أطــوف بـه والنفس بعـد مشـوقة

إليـه وهـل بعــد الطــواف تداني
وألثـم منـه الـركـن أطلـب برد ما

بقلبـي مـن شــوق ومـن هيمـان
فـواللـه مــا ازداد إلا صبــابـة

ولا القــلــب إلا كــثرة الخفقـان
فيــا جنـة المـأوى ويا غاية المنى

ويـا منيتـي مـن دون كـل أمــان
أبـت غلبــات الشــوق إلا تقـربا

إليــك فمــا لـي بالبـعـاد يـدان
ومــا كـان صـدى عنك صد ملالة

ولـي شــاهد مـن مقلتـي ولسـان
دعـوت اصطبـاري عنك بعدك والبكا

فلبـى البكـا والصـبر عنـك عصاني
وقــد زعمـوا أن المـحـب إذا نأى

سـيبلى هــواه بعـد طــول زمان
ولــو كـان هـذا الزعم حقا لكان ذا

دواء الهـوى فـي النـاس كـل زمان
بـلى إنــه يبـلـى والهـوى عـلى

حالــه       لم يبلــه الملـــوان 
وهـذا محــب قـاده الشوق والهوى

بغـــير زمــام قـائد وعنـــان
أتـاك عــلى بعد المـزار ولو ونت

مطيتــه جـــاءت بـه القـدمـان
انتهى كلامه رحمه الله تعالى"انتهي. 

وهوفي كتابه:(بدائع الفوائد)(1/2/46)

الخميس، 27 سبتمبر 2012

من درر وفوائد كتاب {تعظيم قدر الصلاة}للامام المروزي -رحمه الله-(الحياء من الله)


بسم الله الرحمن الرحيم
قرأت كتاب {تعظيم قدر الصلاة} للامام محمد بن نصر المروزي -رحمه الله-؛ فافدت منه جدا ، فما أجله من كتاب ،وما أغزر فوائده ،ولو أن طالب علم اختصره وهذبه ، لأنتفع به المسلمون ، ومما جاء فيه قوله :
" حدثنا يحيى بن يحيى أنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا يعظ أخاه في الحياء، فقال:" إن الحياء من الإيمان " .
 قال أبو عبدالله: والحياء حياءان
حياء من الله ،
 وحياء من الناس ، 
والذي هو أولى بالعبد: الحياء من الله عز و جل ، ولولا أن الله تعالى جعل الحياء من خلقه خلقا كريما، لما كان أحد غير الله يستوجب أن يستحيي منه ،إذ لا مالك لنفع ،ولا ضر غيره ، ولكنه أحب أن يستحي خلقه بعضهم من بعض؛ فيستروا عيوبهم منهم ،فلا يفتضح بعضهم عند بعض ؛
 فمن الحياء من الله : ما هو فرض ، ومنه فضيلة ونافلة ، 
وهو هائج عن المعرفة بعظمة الله وجلاله وقدرته ؛ لأنه إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد أورثه : الحياء من الله، والهيبة له ؛ فغلب على قلبه ذكر اطلاع الله العظيم ونظره بعظمته وجلاله إلى ما في قلبه وجوارحه، وذكر المقام غدا بين يديه، وسؤاله إياه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه ،وذكر دوام إحسانه إليه ،وقلة الشكر منه لربه ؛ فإذا غلب ذكر هذه الأمور على قلبه ، هاج منه الحياء من الله ؛ فاستحى الله أن يطلع على قلبه ،وهو معتقد لشيء مما يكره أو على جارحه من جوارحه يتحرك بما يكره ؛ فطهر قلبه من كل معصية ، ومنع جوارحه من جميع معاصيه إذ فهم عنه قوله : {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون } ،
وقال:{ وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل ألا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} ،
وقال:{ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
 وقال منكرا على من استخف بنظره { ألم يعلم بأن الله يرى }.
  حدثنا محمد بن يحيى ثنا أبو صالح ثنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن سعيد بن يزيد أنه سمعه يقول: إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم أوصني ،
 قال:" أوصيك أن تستحي الله ،كما تستحي رجلا صالحا من قومك".
 قال أبو عبدالله : ألست ترى أن الإنسان إذا علم أن رجلا صالحا ينظر إليه ،أو يسمع كلامه أمسك عن كل ما يخاف أن يمقته عليه ،أو يضع من قدره عنده ،ولو علم أنه يطلع على ما في ضميره لما أضمر إلا على ما يعلم أنه يحسنه عنده ،ويجمل وكذلك يستحي من الرجل الصالح من كل نقص في فضل إلا لمرض ؛ فأجمل النبي صلى الله عليه و سلم تفسير الحياء من الله في هذه الكلمة ؛ 
فمن استحيى من الله فيما يظهر وكل شيء ظاهر له كما يستحي من الرجل الصالح ، فقد استحيى من الله حق الحياء ؛ لأنه عالم بأن الله مطلع على ما في قلبه : فلا يدع قلبه يضمر على شيء مما يكره إن عرض له رياء في عمل  ،أو عجب ، أو كبرذكر نظر الله إليه فاستحيى منه أن يرى ذلك في قلبه ؛ فتركه ، 
واستحيى أيضا : من كل نقص يدخل فيه ، من فضول الدنيا أو من فضول الكلام ، وإن كان مباحا ؛لأنه يعلم أن الله قد زهده في ذلك ،ورغبه في تركه ؛ فهو يستحي أن يراه راغبا فيما زهده فيه ،
 وكذلك إن خاف غيره استحيى منه أن يراه يخاف غيره ،أو يرجوه أو يطمع فيه ، وهذه فضيلة ليست بفرض من ذلك.
 828 - ما حدثنا محمد بن يحيى ثنا أبو داود الطيالسي ثنا عبدالله بن المبارك عن يونس الأيلي عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبيه قال : سمعت أبا بكر الصديق يخطب الناس وهو يقول : يا أيها الناس استحيوا من الله ،فإني لأظل إذا أتيت الخلاء أغطي رأسي استحياء من ربي.
 829 - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ثنا عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن قتادة عن أبي مجلز قال : قال : أبو موسى إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حياء من ربي حتى آخذ ثوبي".
وكتبه: حسن بن حامد(أبومحمد السلفي)

الاثنين، 24 سبتمبر 2012

من روائع التفسير: تفسير قوله تعالي:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله- في تفسيره القيم عند تفسير قوله تعالي مادحا نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هو وأمي:{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }سورة القلم :4:
"
  {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } أي: عاليًا به، مستعليًا بخلقك الذي من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين، [عائشة -رضي الله عنها-] لمن سألها عنه، فقالت:"كان خلقه القرآن"، 
وذلك نحو قوله تعالى له: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } [الآية]، { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 
 وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، [والآيات] الحاثات على الخلق العظيم  فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان صلى الله عليه وسلم:
 سهلا لينا،
 قريبًا من الناس،
 مجيبًا لدعوة من دعاه، 
 قاضيًا لحاجة من استقضاه،
 جابرًا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبًا،
 وإذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور،
 وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم،
 ولم يكن يعاشر جليسًا له إلا أتم عشرة وأحسنها،
 فكان لا يعبس في وجهه،
 ولا يغلظ عليه في مقاله، 
ولا يطوي عنه بشره،
 ولا يمسك عليه فلتات لسانه،
 ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله عليه وسلم.
فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ينسبون إليه أنه مجنون مفتون قال: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ } وقد تبين أنه أهدى الناس، وأكملهم لنفسه ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس، [وشر الناس]  للناس، وأنهم هم الذين فتنوا عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه هو المحاسب المجازي.
و { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره"انتهي

وقال الامام ابن كثير -رحمه الله- عند تفسيرها:بعدما ذكر حديث أم المؤمنين عائشة-رضى الله عنها- الذى رواه مسلم في "صحيحه":
"وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى  عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أتقرأ القرآن؟
 فقلتُ: نعم. 
فقالت: كان خلقه القرآن:
" ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي،
 فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. 
هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل.
 كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: "أف" قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟
 وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا،
 ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم،
 ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البخاري: [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله]  حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها،
 وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير
والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب "الشمائل".
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. 
ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم،
 ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله، عز وجل. 
وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق". تفرد به"انتهي
 

الأحد، 23 سبتمبر 2012

من روائع المقالات:هؤلاء المشائخ أعجبتهم الأشكال وغفلوا عن الغايات والمآلات (جديد)..اللعلامة صالح الفوزان-حفظه الله-



كان الدكتور ناصر الزهراني قد نشر في بعض الصحف مقابلة مع بعض الصحفيين أعلن فيها عن قيامه بإعداد مشروع ضخم يحوي مجسمات وأشكالاً لآثار النبي صلى الله عليه وسلم ومقتنياته وللكعبة المشرفة والمسجد النبوي وحجرات النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك إحياء بزعمه لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجمع ذلك في معرض واسع يتاح للزوار؛

فكتبت تعقيبا على ما جاء في هذه المقابلة وبينت ما يترتب على هذا العمل من المحاذير الشرعية التي أعظمها:
 أن ذلك وسيلة إلى الشرك بالتبرك بها بحكم نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم  
لكنه بعد ذلك أراد أن ينتصر لهذا المشروع فنشر في جريدة عكاظ العدد 16834 وتاريخ 3/11/1433هـ وفي جريدة الرياض العدد 16157 وتاريخ 2 ذي القعدة عام 1433هـ مقابلات له مع بعض العلماء من داخل المملكة وخارجها يؤيدون مشروعه هذا ويثنون عليه ويعجبون بمحتوياته مما قوى عزمه على المضي فيه وقد نشر صور هؤلاء المشائخ ونصوص مقالاتهم ليجعلها رداً على تعقيبي عليه ، 

وأقول: إن هؤلاء المشائخ الذين ذكرتهم أيها الدكتور نظروا إلى العمل الفني التشكيلي لهذه المجسمات ولم ينظروا إلى ما يترتب عليه من المحاذير 
التي أهمها: – 
كون هذا العمل وسيلة إلى الشرك بالتبرك بهذه المجسمات بحكم نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأول ما حدث الشرك في الأرض في قوم نوح حينما صوروا صور الصالحين ونصبوها على مجالسهم ليتذكروا بها أحوالهم فينشغلوا على العبادة بالاقتداء بهم ثم آل بهم الأمر إلى عبادتهم من دون الله عز وجل فكان هذا العمل وسيلة إلى الشرك فكذلك إقامة مجسمات لآثار النبي صلى الله عليه وسلم فالمآل ستكون وسيلة للشرك بالتبرك بها بحكم نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالمآل واحد، 
أو لم ير هؤلاء المشائخ ما يجري الآن حول دار المولد بمكة وغار ثور وغار حراء ومسجد البيعة وغيرها مما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من التبرك بها وما يعمل حولها من البدع والشركيات ألا يخاف هؤلاء المشائخ أن يزيد هذا الأمر ويعظم حول هذه المجسمات التي أثنوا على إقامتها وشجعوا عليها ، 
وقد عقد الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بابًا في كتاب التوحيد بعنوان: باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك،
 وأورد فيه حديث: "لا تجعلوا قبري عيدا"، أي بالتردد عليه والتبرك به وذكر فيه إنكار علي بن الحسين على الرجل الذي يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدعوا عندها،
 وعقد الشيخ بابًا آخر في هذا الكتاب بعنوان: ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، ومنع من ألفاظ تقال في حقه مثل أنت سيدنا وابن سيدنا، ويا خيرنا وابن خيرنا، وقال: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل أنا عبدالله ورسوله". 

وأنا أرى أن في هذا المشروع إذا تم نسفًا لجهود دعوة التوحيد في هذا البلاد وعملاً لما يضادها من الشرك ووسائله ولو على المدى البعيد، 
أليس عمر بن الخطاب قد قطع الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان في الحديبية لما رأى الناس يذهبون إليها ويصلون عندها،
 ثم إن في الشعار التي وضع لهذا المشروع وهو:  [السلام عليك أيها النبي] ما يوحي للجهال أن النبي صلى الله عليه وسلم له حضور في هذا المكان الذي تقام فيه هذه التماثيل بحيث يخاطبونه بالسلام عليه مما يزيد من الافتتان بهذه المجسمات المقامة،
 ثم أننا نتساءل هل هذا المشروع الذي يقيمه الدكتور ناصر ويؤيده عليه هؤلاء المشائخ هل هو من السنة التي تركها سلفنا خلال القرون الماضية أو هو عمل محدث ليس من السنة، فإن كان من السنة فهل الأمة قصرت في إقامته وإن لم يكن من السنة فلماذا نخالف إجماع الأمة على تركه ونحدثه، وكل محدثة بدعة ،

إن دراسة السيرة النبوية أيها العلماء : ليست بإقامة المجسمات المحدثة ، وإنما هي بدراسة أسانيدها والتفقه فيها كما فعل الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد وباستخلاص دروس التوحيد منها،
 والأمم السابقة إنما أهلكت بسبب تتبع آثار أنبيائهما والتبرك بها وإعراضهم عما جاءت به رسلهم ؛ 
ألا يكون لنا بهم عبرة والصحابة والسلف الصالح لما فنيت آثار النبي صلى الله عليه وسلم من ملابسه وأوانيه لم يقيموا لها مجسمات تشبهها وهم أحرص منا على الاقتداء به فلو كان هذا عملا مشروعا لسبقونا إليه (ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) كما قال الإمام مالك،
 وقال عبدالله بن مسعود: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)، 
ولقد أنكر الشيخ ابن باز والشيخ ابن حميد رحمهما الله على الكاتب الذي دعا إلى إقامة معالم طريق الهجرة وإقامة مجسمات لخيمتي أم معبد وغيرهما خشية من نتائج ذلك ؛ 
فليسعنا ما وسعهم، ولا نشجع من يحاول إحياء الآثار الدارسة بإقامة مجسمات لها كما يحاول صاحب هذا المشروع، وقد منعت هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة من عمل مجسمات للكعبة المشرفة والمسجد الحرام والمسجد النبوي وحجرات النبي صلى الله عليه وسلم كما نقلت ذلك عنهم في مقالتي السابقة، هذا ما أردت التنبيه عليه (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
1433-11-11ه
من موقع العلامة الفوزان-حفظه الله - ـ

الخميس، 20 سبتمبر 2012

من روائع المقالات : أسباب الابتلاء ، وأنواعه...للشيخ/ صالح آل الشيخ-حفظه الله-



(1) يُصيبُ اللهُ – جل وعلا – أمةَ الإسلام بما يصيبُها بسببِ ذنوبها تارةً ، وابتلاءً واختبارًا تارةً أخرى .
(2) يُصيب اللهُ – جل وعلا – الأُممَ غيرَ المسلمةِ بما يصيبُها؛
 إما عقوبةً لما هي عليه من مخالفةٍ لأمرِ الله – جل وعلا –،
 وإما لتكون عبرةً لمن اعْتَبَرَ ،
 وإما لتكونَ ابتلاءً للناس ، هل يَنْجَوْنَ أو لا يَنْجَوْنَ ؟
 قال اللهُ – تعالى - : {فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
وهذا في العقوباتِ التي أُصِيبَتْ بها الأُممُ ، العقوباتِ الاستئصاليةِ العامةِ ، والعقوباتِ التي يكونُ فيها نكايةٌ ، أو يكونُ فيها إصابةٌ لهم .
(3) تُصاب الأمةُ بأن يبتليَها اللهُ بالتفرُّقِ فِرَقًا ، بأن تكونَ أحزابًا وشِيَعًا ؛ لأنها تركتْ أمرَ الله – جل وعلا - .
(4) تُصاب الأمةُ بالابتلاء بسببِ بَغْيِ بعضِهم على بعضٍ ، وعدمِ رجوعِهم إلى العلمِ العظيمِ الذي أنزله اللهُ – جل وعلا – . قال الله – تعالى – فيما قصَّه علينا من خبر الأُمَمِ الذين مَضَوْا قبلَنا : {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}.
 وقال - سبحانه - : {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}. 
عندَ أهلِ الكتابِ العلمُ النافعُ ، ولكن تَفَرَّقُوا بسببِ بَغْيِ بعضِهم على بعضٍ ، وعدمِ رجوعِهم إلى هذا العلمِ العظيمِ الذي أنزلَه اللهُ – جل وعلا - ، تَفَرَّقُوا في العملِ ، وتركُوا بعضَه .
(5) يُصاب قومٌ بالابتلاءِ بسببِ وجودِ زيغٍ في قلوبهم ، فَيَتَّبِعُونَ المتشابِه .
 قال اللهُ – جل وعلا – في شأنهم : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ}.
 فليس وجودُ المتشابه سببًا في الزيغ ، ولكنَّ الزيغَ موجودٌ أولاً في النفوسِ.
 فاللهُ – سبحانَهُ – أثبتَ وجودَ الزيغِ في القلوبِ أوَّلاً ،
 ثم اتباعِ المتشابه ثانيًا ،
 وقد جاءت (الفاءُ) في قوله – جل وعلا – : {فَيَتَّبِعُونَ} لإفادةِ الترتيبِ والتعقيبِ.
 ففي النصوصِ ما يَشْتَبِهُ ، لكن مَنْ في قلبه زيغٌ يذهبُ إلى النصِّ فيستدلُ به على زَيْغِهِ ، وليس له فيه مُسْتَمْسَكٌ في الحقيقةِ ، لكن وَجَدَ الزيغَ فذهبَ يتلمَّسُ له .
 وهذا هو الذي ابْتُلِيَ به الناسُ - أي : الخوارجُ - في زمنِ الصحابةِ ، وحصلتْ في زمن التابعينَ فتنٌ كثيرةٌ تَسَـبَّبَ عنها القتالُ والملاحِمُ مما هو معلومٌ . 

فوائد الابتلاء
الأمةُ الإسلاميةُ والمسلمون يُبْتَلَوْنَ .
وفائدةُ هذا الابتلاءِ :
 معرفةُ مَنْ يَرْجِعُ فيه من الأمةِ إلى أمرِ اللهِ – جل وعلا – معتصِمًا بالله ، متجرِّدًا ، متابعًا لهدي السلفِ ممّن لا يرجعُ ، وقد أصابته الفتنةُ ، قلّتْ أو كَثُرَتْ
منقول من موقع روح الاسلام

الأحد، 16 سبتمبر 2012

من درر الفوائد:فصل نفيس في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم.بأبى هو وأمى ..لابن القيم-رحمه الله-


قال الامام ابن القيم-رحمه الله-في كتابه الماتع النافع(زاد المعاد في خير هدى العباد):

فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم
وكلها نعوت ليست أعلامًا محضة لمجرد التعريف، بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به تُوجِبُ له المدحَ والكمال.
فمنها محمد، وهو أشهرها، وبه سمي في التوراة صريحًا كما بيناه بالبرهان الواضح في كتاب (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام) وهو كتاب فرد في معناه لم يُسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بينَّا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه، وصحيحها من حسنها، ومعلولها وبينا ما في معلولها من العلل بيانًا شافيًا، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطن الصلاة عليها ومحالها، ثم الكلام في مقدار الواجب منها، واختلاف أهل العلم فيه، وترجيح الراجح، وتزييف المزيَّف، وَمَخبَرُ الكِتابِ فَوْقَ وصفه.
والمقصود :أن اسمه محمد في التوراة صريحًا بما يوافق عليه كلُّ عالم من مؤمني أهل الكتاب.
ومنها أحمد، وهو الاسم الذي سماه به المسيح، لسرٍّ ذكرناه في ذلك الكِتابِ.
ومنها المتوكِّل، ومنها الماحي، والحاشر، والعاقب، والمُقَفِّي، ونبى التوبة، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ الملحمة، والفاتحُ، والأمينُ.
ويلحق بهذه الأسماء: الشاهد، والمبشِّر، والبشير، والنذير، والقاسِم، والضَّحوك، والقتَّال، وعبد الله، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحبُ لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود،
وغير ذلك من الأسماء،
لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح، فله من كل وصف اسم، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به، أو الغالب عليه، ويشتق له منه اسم، وبين الوصف المشترَك، فلا يكون له منه اسم يخصه.
وقال جبير بن مُطْعِم: سمَّى لنا رسول الله   
نفسه أسماء، فقال: "أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِي الكُفرَ، وأنا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، والعَاقِب الَّذِي لَيسَ بَعْدَهُ نَبيٌّ".

وأسماؤه  نوعان:

أحدهما: خاص لا يُشارِكُه فيه غيره من الرسل كمحمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة.
والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل، ولكن له منه كماله، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشَّاهدِ، والمبشِّرِ، والنذيرِ، ونبيِّ الرحمة، ونبيّ التوبة.
وأما إن جعل له مِن كل وصف من أوصافه اسم، تجاوزت أسماؤه المائتين، كالصادق، والمصدوق، والرؤوف الرَّحيم، إلى أمثال ذلك.
وفي هذا قال من قال من الناس: إن لله ألفَ اسمٍ، وللنبي 
ألفَ اسم، قاله أبو الخطاب بنُ دِحيةَ ومقصوده الأوصاف.

فصل في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم
أمّا مُحَمَّد، فهو اسم مفعول، من حَمِدَ، فهو محمد، إذا كان كثيرَ الخصال التي يُحمد عليها، لذلك كان أبلغَ من محمود، فإن "محمودًا" من الثلاثي المجرد، ومحمد من المضاعف للمبالغة، فهو الذي يحمد أكثر ممّا يحمد غيره من البشر، ولهذا - والله أعلم - سمِي به في التوراة، لكثرة الخصال المحمودة التي وُصِفَ بها هو ودينه وأمته في التوراة، حتى تَمَنَى موسى عليه الصلاة والسلام أن يكون منهم، وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده هناك، وبينا غلط أبي القاسم السهيلي حيث جعل الأمر بالعكس، وأن اسمه في التوراة أحمد.
وأما أحمد، فهو اسم على زِنة أفعل التفضيل، مشتق أيضًا من الحمد. وقد اختلف الناس فيه: هل هو بمعنى فاعل أو مفعول؟(ثم ساق -رحمه الله-كلامهم-الى ان قال)
فلنرجع إلى المقصود فنقول:
تقديرُ أحمد على قول الأولين: أحمد الناس لربه،
وعلى قول هؤلاء: أحق الناس وأولاهم بأن يُحمد، فيكون كمحمد في المعنى،
إلا أن الفرق بينهما:
أن "محمدًا" هو كثير الخصال التي يحمد عليها،
وأحمد هو الذي يُحمد أفضل ممّا يُحْمَدُ غيره،
فمحمد: في الكثرة والكمية،
وأحمد: في الصفة والكيفية ؛
فيستحق من الحمد أكثر ممّا يستحق غيره، وأفضلُ ممّا يستحِق غيره، فيُحمَدُ أكثرَ حمد، وأفضلَ حمد حَمِدَه البشر.
فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا أبلغ في مدحه، وأكمل معنى.
ولو أريد معنى الفاعل لسمي الحماد، أي: كثير الحمد، فإنه بها، كان أكثر الخلق حمدًا لربه، فلو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه، لكان الأولى به الحمَّاد، كما سميت بذلك أمَتُه.
وأيضًا: فإن هذين الاسمين، إنما اشتقا من أخلاقه، وخصائصه المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدًا؟
، وأحمد وهو الذي يحمدُه أهل السماء وأهلُ الأرض وأهلُ الدنيا وأهلُ الآخرة، لكثرة خصائصه المحمودة التي تفوق عَدَّ العادِّين وإحصاء المحصين، وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب "الصلاة والسلام" عليه ، وإنما ذكرنا هاهنا كلمات يسيرة اقتضتها حالُ المسافر، وتشتتُ قلبه وتفرق همته، وبالله المستعان وعليه التكلان.

وأما اسمه المتوكل، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: "قرأت في التوراة صفة النبي : مُحَمَّد رسولُ الله، عبدي وَرَسُولي، سمَّيتُه المُتَوَكِّل، ليس بِفَظٍّ، ولا غَليظٍ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئةِ السَّيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقيمَ بِهِ المِلَّة الْعَوْجَاءَ، بأن يقولوا: لا إله إلا الله" ، 

وهو أحقّ الناس بهذا الاسم، لأنه توكَّل على الله في إقامة الدين توكلًا لم يَشْركْه فيه غيره.

وأما الماحي، والحاشر، والمقفِّي، والعاقب؛ فقد فسرت في حديث جبير بن مطعم، فالماحي: هو الذي محا الله به الكفر، ولم يُمحَ الكفر بأحد من الخلق ما مُحي بالنبي ﷺ ؛  فإنه بُعِثَ وأهل الأرض كلهم كفار، إلا بقايا من أهل الكتاب، وهم ما بين عُبَّاد أوثان، ويهود مغضوب عليهم، ونصارى ضالين، وصابئة دَهرية، لا يعرفون ربًا ولا معادًا، وبين عُبَّاد الكواكب، وعُبّاد النار، وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء، ولا يُقرون بها، فمحا الله سبحانه برسوله ذلك حتى ظهر دينُ الله على كل دين، وبلغ دينُه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسيرَ الشمس في الأقطار.

وأما الحاشر، فالحشر هو الضم والجمع، فهو الذي يُحشر الناسُ على قدمه، فكأنه بعث لحشر الناس.
والعاقب: الذي جاء عَقِبَ الأنبياء، فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر، فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سمي العاقب على الإِطلاق، أي: عقب الأنبياء جاء بعقبهم.
وأما المقفِّي، فكذلك، وهو الذي قفَّى على آثار من تقدمه، فقفى اللهُ به على آثار من سبقه من الرسل، وهذه اللفظة مشتقة من القفو، يقال: قفاه يقفوه: إذا تأخر عنه، ومنه قافية الرأس، وقافية البيت، فالمقفِّي: الذي قفى من قبله من الرسل، فكان خاتمهم وآخرهم.
وأما نبي التوبة، فهو الذي فتح الله به بابَ التوبة على أهل الأرض، فتاب الله عليهم توبة لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله.
وكان 
 أكثر الناس استغفارًا وتوبة، حتى كانوا يَعُدُّون لَهُ في المَجْلِس الوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُور".

وكان يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ رَبَكُم، فَإِني أَتُوبُ إِلى اللهِ في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" وكذلك توبةُ أمته أكملُ مِن توبة سائر الأمم، وأسرع قبولًا، وأسهل تناولًا، وكانت توبة من قبلهم مِن أصعب الأشياء، حتى كان من توبة بني إسرائيلَ مِن عبادة العجل قتلُ أنفسهم،
وأمّا هذه الأمّة، فلكرامتها على الله تعالى جعل توبتها الندمَ والإِقلاع.
وأمّا نبي الملحمة، فهو الذي بعث بجهاد أعداء الله، فلم يجاهد نبي وأمته قطُّ ما جاهد رسول الله 
  وأمّته، 

والملاحم الكبار التي وقعت وتقع بين أمته وبين الكفار لم يُعهد مثلُها قبله؛ فإن أمته يقتلون الكفار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار، وقد أوقعوا بهم من الملاحم ما لم تفعله أمّة سواهم.
وأما نبيُّ الرحمة، فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فرحم به أهلَ الأرض كلَّهم مؤمنَهم وكافرَهم،
أمّا المؤمنون، فنالوا النصيبَ الأوفر مِن الرحمة،
وأمّا الكفار، فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله، وتحت حبله وعهده،
وأما من قتله منهم هو وأمتُه، فإنهم عجلوا به إلى النَّار، وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدَّةَ العذاب في الآخرة.
وأما الفاتح، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مُرْتَجًا، وفتح به الأعين العمي، والآذان الصُّم، والقلوب الغُلف، وفتح الله به أمصار الكفار، وفتح به أبوابَ الجنَّة، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح، ففتح به الدنيا والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار والأمصار.
وأمّا الأمين، فهو أحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمينُ مَنْ في السماء، وأمينُ مَنْ في الأرض، ولهذا كانوا يُسمونه قبل النبوة: الأمين.
وأمّا الضحوك القتَّال، فاسمان مزدوجان، لا يُفرد أحدهما عن الآخر، فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين، غيرُ عابس، ولا مقطِّب، ولا غضوب، ولا فظّ، قتَال لأعداء الله، لا تأخذه فيهم لومة لائم.
وأمّا البشير، فهو المبشَر لمن أطاعه بالثواب، والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب، وقد سماه الله عبدَه في مواضع من كتابه، منها:
قوله: { وَأَنّهُ لّمَا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ
وقوله: { تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَيَ عَبْدِهِ
وقوله: { فَأَوْحَيَ إِلَيَ عَبْدِهِ مَا أَوْحَيَ } ،
وقوله: { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمّا نَزّلْنَا عَلَيَ عَبْدِنَا } ،
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر".
وسمّاه الله سِراجًا منيرًا، وسمى الشمس سراجًا وهاجًا.
والمنير: هو الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج، فإن فيه نوعَ إحراق وَتَوَهُج
".انتهى

السبت، 15 سبتمبر 2012

من نفائس المقالات:من صفات المغضوب عليهم التي ابتليت بها الأمة...لشيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله-



قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه العجاب(أقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ص6-11:
" ومع أن الله قد حذرنا سبيلهم فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله مما سبق في علمه حيث قال فيما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه ".
 قالوا يا رسول الله :آليهود والنصارى؟
 قال:" فمن".
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم:" لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع فقيل يا رسول الله : كفارس والروم  قال:" ومن الناس إلا أولئك".
فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء ، وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال :" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة" وأخبر صلى الله عليه وسلم :" ان الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة "و" أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته".
 فعلم بخبره الصدق :أن لا بد أن يكون في أمته قوم متمسكين بهديه الذي هو دين الإسلام محضا، وقوم منحرفين إلى شعبة من شعب دين اليهود أو إلى شعبة من شعب دين النصارى ،وإن كان الرجل لا يكفر بهذا الانحراف بل وقد لا يفسق أيضا بل قد يكون الإنحراف كفرا وقد يكون فسقا وقد يكون سيئة وقد يكون خطأ.
وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا.
وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم ،التي ابتليت بها هذه الأمة؛ ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم أو الضالين:
قال الله سبحانه : {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} (البقرة:109)؛
 فذم اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم ،
وقد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم: بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع، أو عمل صالح ،وهو خلق مذموم مطلقا ، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم:
وقال الله سبحانه : {والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل}(الحديد:24)، { ويكتمون ما آتاهم الله من فضله}(النساء:37) ؛
فوصفهم بالبخل :الذي هو البخل بالعلم ،والبخل بالمال ، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو: المقصود الأكبر؛
 فلذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية مثل قوله تعالى : {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } الآية (آل عمران:187) ،
وقوله تعالى : {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا} الآية(البقرة:159،160) ،  وقوله:{ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} الآية(البقرة:174) ،  وقوله تعالى:{ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن}(البقرة:14) ؛
فوصف المغضوب عليهم بأنهم:
 يكتمون العلم تارة بخلا به، 
وتارة اعتياضا عن إظهاره بالدنيا،
 وتارة خوفا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه.
وهذا قد ابتلى به طوائف من المنتسبين إلى العلم؛
 فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به وكراهة أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه ،
وتارة اعتياضا عنه برياسة أو مال، ويخاف من إظهاره انتقاص رياسته أو نقص ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة؛ فيكتم من العلم : ما فيه حجة لمخالفه ،وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل.
ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره : أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.
وليس الغرض تفصيل ما يحب وما يحتسب بل الغرض التنبيه على مجامع يتفطن اللبيب بها لما ينفعه الله به.
وقال تعالى:{ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق} الآية(البقرة:91) بعد أن قال :{وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} (البقرة:89)؛
فوصف اليهود بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور النبي الناطق به والداعي إليه؛  فلما جاءهم النبي الناطق به من غير طائفة يهوونها، لم ينقادوا له ؛
 فإنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم.
وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم، أو الدين: من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم ،أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنهم لا يقبلون من الدين لا فقها ولا رواية إلاما جاءت به طائفتهم ، ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم ؛ 
مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقا رواية وفقها من غير تعيين شخص أو طائفة غير الرسول صلى الله عليه وسلم
وقال تعالى في صفة المغضوب عليهم:{ من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه}(النساء:46)،
 ووصفهم بأنهم {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب}(آل عمران:187)،
 والتحريف: قد فسر بتحريف التنزيل ، وبتحريف التأويل؛
فأما تحريف التأويل: فكثير جدا، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة.
وأما تحريف التنزيل:
 فقد وقع فيه كثير من الناس: يحرفون ألفاظ الرسول، ويروون أحاديث بروايات منكرة، وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك ،
 وربما تطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل ، وإن لم يمكنه ذلك كما قرأ بعضهم: {وكلم الله موسى تكليما}(النساء:164).
وأما تطاول بعضهم إلى السنة بما يظن أنه من عند الله ؛ فكوضع الوضاعين الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أو إقامة ما يظن أنه حجة في الدين وليس بحجة.
وهذا الضرب من نوع أخلاق اليهود وذمها في النصوص كثير لمن تدبر في كتاب الله وسنة رسوله ثم نظر بنور الإيمان إلى ما وقع في الأمة من الأحداث.
وقال سبحانه عن النصارى : {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته}(النساء:171)،
وقال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}(المائدة:73) ،
 إلى غير ذلك من المواضع.
ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين: قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدة ، والمتصوفة حتى خالط كثيرا منهم من مذاهب الحلول والاتحاد؛ ما هو أقبح من قول النصارى، أو مثله أو دونه.
وقال تعالى : {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم }الآية(التوبة:31)، وفسره النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم -رضي الله عنه -بأنهم أحلوا الحرام؛ فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال؛ فاتبعوهم.
وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمره به وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال.
وقال سبحانه عن الضالين:{ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله}(الحديد:27)،  وقد ابتلى طوائف من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم.
وقال الله سبحانه:{ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا}(الكهف:21)،
 فكان الضالون بل والمغضوب عليهم يبنون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك في غير موضع حتى في وقت مفارقته الدنيا بأبي هو وأمي ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه الأمة.
ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة والصور الجميلة ؛ فلا يهتمون في أمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات.
ثم إنك تجد أن هذه الأمة قد ابتليت: من اتخاذ السماع المطرب بسماع القصائد بالصور والأصوات الجميلة؛ لإصلاح القلوب ، والأحوال ، ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين.
وقال سبحانه : {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء}(البقرة:113) ؛
فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما عليه الأخرى، وأنت تجد كثيرا من المتفقهة : إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا ، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئا بل يرى أن التمسك بهما منقطع عن الله وأنه ليس عند أهلها شيء مما ينفع عند الله.
والصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق ،وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل.
وأما مشابهة فارس والروم: فقد دخل منه في هذه الأمة من الآثار الرومية قولا وعملا، والآثار الفارسية قولا وعملا ، مالا خفاء فيه على مؤمن عليم بدين الإسلام وبما حدث فيه.
وليس الغرض هنا تفصيل الأمور التي وقعت في الأمة مما تضارع طريق المغضوب عليهم أو الضالين، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورا لصاحبه ،إما لاجتهاد أخطأ فيه، وإما لحسنات محت السيئات أو غير ذلك.
وإنما الغرض أن تتبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم وأن ينفتح لك باب إلى معرفة الانحراف لتحذره "انتهي

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...