السبت، 7 أبريل 2012

حديث عظيم الشأن ـ ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله ـ{" أنا آمركم بخمس الله أمرني بهن:...}

عن الحارث الأشعري-رضي الله عنه- أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ، أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ؛ فكاد أن يبطئ ، فقال له عيسى :إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ؛ فإما أن تبلغهن وإما أبلغهن،
 فقال له: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي،
 قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعد على الشرف ؛ 
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن،
 أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا؛ فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي عمله إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك ، وإن الله عز وجل خلقكم ورزقكم ؛فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا،
 وأمركم بالصلاة ؛ فإن الله عز وجل ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم ؛ فلا تلتفتوا ،
وأمركم بالصيام ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، 
وأمركم بالصدقة ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فقال : هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، 
 وأمركم بذكر الله كثيرا ؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه ،وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل .
قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : بالجماعة وبالسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع ،ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم"
 قالوا يا رسول الله: وإن صام وصلى ،
قال :"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ؛ فادعوا المسلمين بما سماهم المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل"
رواه الامام أحمد في "مسنده" والترمذي في "سننه" ،وابن خزيمة في "صحيحه" ، والحاكم في "مستدركه"، وغيرهم وصححه الألباني.
قال الامام ابن قيم الجوزية-رحمه الله-عند شرحه له في "الوابل الصيب":
" فقد ذكر صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث العظيم الشأن ـ الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله ـ ما ينجي من الشيطان وما يحصل للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه ؛ فذكر مثل الموحد والمشرك : فالموحد: كمن عمل لسيده في داره وأدى لسيده ما استعمله فيه،
 والمشرك: كمن استعمله سيده في داره فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيده؛
 فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى ،ويتقرب إلى عدو الله بنعم الله تعالى، ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان مملوكه كذلك؛ لكان أمقت المماليك عنده، وكان أشد شيئا غضبا عليه وطردا له وإبعادا، وهو مخلوق مثله؛ كلاهما في نعمة غيرهما؛ فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمة فمنه وحده لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلق عبده ورحمته وتدبيره ورزقه ومعافاته وقضاء حوائجه؛ فكيف يليق به مع هذا أن يعدل به غيره في الحب والخوف والرجاء والحلف والنذر والمعاملة؛ فيحب غيره كما يحبه أو أكثر، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر وشواهد أحوالهم ـ بل وأقوالهم وأعمالهم ـ ناطقة بأنهم يحبون أنداده من الاحياء والأموات ويخافونهم ويرجونهم ويطلبون رضاءهم ويهربون من سخطهم أعظم مما يحبون الله تعالى ويخافون ويرجون ويهربون من سخطه وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عز و جل ؛ قال الله سبحانه وتعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } "انتهى
وهو شرح نفيس عزيز لهذا الحديث...ينبغي لكل مسلم مراجعته.

دواوين ثلاثة..ودور ثلاثة...ومفتاح له أسنان...؟!

قال الامام ابن القيم -رحمه الله -في كتابه الماتع النافع (الوابل الصيب)في كلام له: "والظلم عند الله عز و جل يوم القيامة له دواوين ثلاثة :
 ديوان: لا يغفر الله منه شيئا، وهو الشرك به فإن الله لا يغفر أن يشرك به،
 وديوان: لا يترك الله تعالى منه شيئا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضا؛ فإن الله تعالى يستوفيه كله،
 وديوان : لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز و جل ؛ فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوا فإنه يمحي بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك؛ 
 بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد،
 وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها ،
ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز و جل حرم الجنة على أهله؛ فلا تدخل الجنة نفس مشركة وإنما يدخلها أهل التوحيد؛ فإن التوحيد هو مفتاح بابها ؛ فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له؛ لم يمكن الفتح به (من النهي عن المنكر، وصدق الحديث ،وأداء الأمانة، وصلة الرحم ،وبر الوالدين)؛
 فأي عبد اتخذ في هذه الدار مفتاحا صالحا من التوحيد وركب فيه أسنانا من الأوامر؛ جاء يوم القيامة إلى باب الجنة ومعه مفتاحها الذي لا يفتح إلا به ؛ فلم يعقه عن الفتح عائق؛ اللهم إلا أن تكون له ذنوب وخطايا وأوزار لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار؛ فإنه يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها، وان لم يطهره الموقف وأهواله وشدائده؛ فلا بد من دخول النار ليخرج خبثه فيها، ويتطهر من درنه ووسخه ثم يخرج منها فيدخل الجنة ؛ فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طيب قال سبحانه وتعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة } وقال تعالى : { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } فعقب دخولها على الطيب بحرف الفاء الذي يؤذن بأنه سبب للدخول أي بسبب طيبكم قيل لكم ادخلوها،
وأما النار؛ فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين؛ فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشئ لتراكب بعضه على بعض ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث،

 ولما كان الناس على ثلاث طبقات : طيب لا يشينه خبيث،
 وخبيث لا طيب فيه،
 وآخرون فيهم خبث وطيب ،
دورهم ثلاثة : دار الطيب المحض،
 ودار الخبيث المحض، 
وهاتان الداران ؛ لا تفنيان ،
 ودار لمن معه خبث وطيب،
 وهي الدار التي تفنى ،وهي دار العصاة ؛ فإنه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين أحد؛ فإنه إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار؛ فأدخلوا الجنة، ولا يبقي إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض"انتهى

"الإحسان بالعلم "...

 درر مستفادة
من كتاب "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"
 لابن قيم الجوزية - رحمه الله -

ن الله سبحانه أخبر أنه يجزى المحسنين اجرهم بإحسن ما كانوا يعملون ،وأخبر سبحانه انه يجزى على الإحسان بالعلم ، وهذا يدل على أنه من أحسن الجزاء. 
 أما المقام الأول: ففي قوله تعالى : }والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون. لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين. ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } وهذا يتناول الجزاءين الدنيوي والاخروي ،
وأما المقام الثاني: ففي قوله تعالى} : ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} قال الحسن : من احسن عبادة الله في شبيبته لقاه الله الحكمة عند كبر سنه، وذلك قوله} ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين { ومن هذا قال بعض العلماء تقول الحكمة” : من التمسني فلم يجدني؛ فليعمل باحسن ما يعلم ،وليترك اقبح ما يعلم؛ فإذا فعل ذلك، فإنا معه، وإن لم يعرفني. “

******
إن الله سبحانه جعل العلم للقلوب كالمطر للارض ؛ فكما انه لا حياة للأرض الا بالمطر ؛ فكذلك لا حياة للقلب الا بالعلم.
 وفي الموطأ قال لقمان لابنه  "يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فان الله تعالى يحيى القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيى الارض بوابل المطر".
ولهذا فإن الأرض تحتاج الى المطر في بعض الاوقات فإذا تتابع عليها احتاجت الى انقطاعه ، واما العلم فيحتاج اليه بعدد الأنفاس ولاتزيده كثرته الا صلاحا ونفعا   (نقلا من (المنهج الصحيح3974    .(

الجمعة، 6 أبريل 2012

مطابقة الحديث للواقع...لا تعني صحته ..؟!

حديث :" سيأتي على الناس زمان لا يبقي من القرآن إلا رسمه ، ولا من الإسلام إلا اسمه ، يقسمون به وهم أبعد الناس منه ، مساجدهم عامرة ، خراب من الهدى ، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء ، منهم خرجت الفتنة ، وإليهم تعود " .
قال الامام الألباني-رحمه الله- في "الضعيفة" بعد أن ذكره برقم (1936):
(ضيعف جدا) ، وقال  بعد الكلام عن طرقه:
"وجملة القول؛ أن هذا الحديث بهذه الطرق الثلاث ، يظل على وهائه لشدة ضعفها ، وإن كان معناه يكاد المسلم أن يلمسه ؛ بعضه أوجله في واقع العالم الإسلامي ، والله المستعان" انتهى
وأنظر: نحوه الحديث رقم (2304) ، ونصه:" إن الله يبغض كل جعظري جواظ ، سخاب في الأسواق ، جيفة بالليل ، حمار بالنهار،
عالم بأمر الدنيا ، جاهل بأمر الآخرة " .
وهو من الأحاديث التى تراجع الشيخ -رحمه الله- عن تصحيحها.
وقال أيضا بعد الكلام عليه :
"قلت : وما أشد انطباق هذا الحديث - على ضعفه - على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون لآخرتهم ، مع علمهم بأمور دنياهم ، كما قال تعالى فيهم : { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، وهم عن الآخرة هم غافلون } ، ولبعض المسلمين نصيب
كبير من هذا الوصف ، الذين يقضون نهارهم في التجول في الأسواق والصياح فيها ، ويضيعون عليهم الفرائض والصلوات ، { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهو ن
. الذين هم يراؤن . ويمنعون الماعون }"انتهى

من بدائع التحقيقات...

جاء في "السلسلة الضعيفة" (4/262-265) تحقيقا بديعا ، تحت الحديث رقم (1782) ونصه "اتقوا البول ، فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر "
وقد قال عنه الشيخ الامام الألباني-رحمه الله- بعد بيان انه حديث(موضوع) ، منوها بهذا التحقيق :
" فاغتنم هذا التحقيق ؛ فإنه مما قد لا تراه في غير هذا الموضع رغم أنف الحاقدين الحاسدين"، وحق له ذلك -لله دره- وقال -رحمه الله- ناصحا ومبينا "أهمية تتبع طرق الحديث ، وعدم الركون الى التقليد ":
"واعلم أيها القارىء الكريم ؛ أن مثل هذا التحقيق يكشف لطالب هذا العلم الشريف أهمية تتبع طرق الحديث ، والتعرف على هوية رواته ، فإن ذلك يساعد مساعدة كبيرة جدا على الكشف عن علة الحديث التي تستلزم الحكم على الحديث بالسقوط ، وهذا ما لا يفعله جماهير المشتغلين بهذا العلم قديما وحديثا ، وحسبك دليلا على هذا الذي أقول ، موقف المنذري والهيثمي والمناوي من هذا الحديث وتقويتهم إياه . وقد اغتر بهم بعض المتأخرين من المقلدين ،.." انتهى
 فأنظره ؛ فانه نفيس...-رحم الله -الشيخ الألباني ، ونور له قبره ، وتقبل سعيه في الذب عن السنة، ونصح الأمة...آمين

"ان الله لا يضيع أهله " وقصة هاجر أم اسماعيل عليه السلام ،وماء زمزم

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس -رضي الله عنهما- : " أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ،
 فَقَالَتْ : يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ ،
 فَقَالَتْ لَهُ : ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا ،
 فَقَالَتْ لَهُ : آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا ،
 قَالَ : نَعَمْ ،
 قَالَتْ : إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا.
 ثُمَّ رَجَعَتْ ؛ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ :{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ حَتَّى بَلَغَ يَشْكُرُونَ } سورة إبراهيم آية 37 
  وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ ، قَالَ : يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ،
 قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَذَلِكَ 
سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا
 فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ : صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَهَا ، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا ،
 فَقَالَتْ : قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ
 فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ ، قَالَ : 
بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ ، قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ : لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا "
، قَالَ : فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا ،
 فَقَالَ لَهَا : الْمَلَكُ لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ؛ فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا ، فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا ،
 قَالَ : وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ ،
 فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ ،
 فَقَالَتْ : نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ ، 
قَالُوا : نَعَمْ ، 
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ" ؛ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ .
 فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ ،
 فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا . 
ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ،
 فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ ،
 قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ .
 فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا ،
 فَقَالَ : هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ ،
 قَالَتْ : نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ ،
 قَالَ : فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ ، 
قَالَتْ : نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ :غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ ، قَالَ : ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى.
 فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ،
 ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ ،
 فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ،
 قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ،
 فَقَالَتْ : نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ ،
 فَقَالَ : مَا طَعَامُكُمْ ،
 قَالَتْ : اللَّحْمُ ،
 قَالَ : فَمَا شَرَابُكُمْ ،
 قَالَتْ : الْمَاءُ ،
 قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ ، قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ "، قَالَ :" فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ" ، قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ .
 فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ،
 قَالَتْ : نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ ،
 قَالَ : فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ ،
 قَالَتْ : نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ ، قَالَ : ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
 ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ ،
 قَالَ : فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ ،
 قَالَ : وَتُعِينُنِي ،
 قَالَ : وَأُعِينُكَ ،
 قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا ، 
 قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا ، يَقُولَانِ :{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} سورة البقرة آية 127 ، قَالَ : فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }سورة البقرة آية 127 "
اخرجه البخاري في "صحيحه" {كتاب أحاديث الأنبياء} حديث رقم(3364) 
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في (فتح الباري) عند شرحه:
"قوله : ( أول ما اتخذ النساء المنطق ) بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط ، ووقع في رواية ابن جريج النطق بضم النون والطاء وهو جمع منطق ، وكان السبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل ، فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة ،..
قوله : ( إذن لا يضيعنا ) في رواية عطاء بن السائب " فقالت لن يضيعنا " وفي رواية ابن جريج " فقالت حسبي " وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير المذكورة بعد هذا الحديث في الباب " فقالت رضيت بالله " .  

قوله : ( ثم استقبلت الوادي ) في رواية عطاء بن السائب " والوادي يومئذ عميق " وفي حديث أبي جهم " تستغيث ربها وتدعوه " .

قوله : ( ثم سعت سعي الإنسان المجهود ) أي الذي أصابه الجهد وهو الأمر المشق .

قوله : ( سبع مرات ) في حديث أبي جهم وكان ذلك أول ما سعي بين الصفا والمروة وفي رواية إبراهيم بن نافع " أنها كانت في كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها " وقال في روايته : " فلم تقرها نفسها " وهو بضم أوله وكسر القاف ، ونفسها بالرفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت فرجعت ، وهذا في المرة الأخيرة .

قوله : ( فإذا هي بالملك ) في رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج فإذا جبريل ، وفي حديث علي عند الطبري بإسناد حسن " فناداها جبريل فقال : من أنت ؟ قالت : أنا هاجر أم ولد إبراهيم ، قال : فإلى من وكلكما ؟ قالت : إلى الله . قال : وكلكما إلى كاف " .
قوله : ( لا تخافوا الضيعة ) بفتح المعجمة وسكون التحتانية أي الهلاك ، وفي حديث أبي جهم " لا تخافي أن ينفد الماء " وفي رواية علي بن الوازع عن أيوب عند الفاكهي " لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله " زاد في حديث أبي جهم " فقالت بشرك الله بخير " . 

قوله : ( وتعلم العربية منهم ) فيه: إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا ، وفيه تضعيف لقول من روى أنه أول من تكلم بالعربية ، وقد وقع ذلك من حديث ابن عباس عند الحاكم في " المستدرك " بلفظ " أول من نطق بالعربية إسماعيل " وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال : " أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل " وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأولية المطلقة فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها ، ويشهد لهذا ما حكاه ابن هشام عن الشرقي بن قطامي " إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم " ويحتمل أن تكون الأولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم ، فإسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم ، وقال ابن دريد في " كتاب الوشاح " أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ، ثم إسماعيل . قلت : وهذا لا يوافق من قال إن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي الكلام فيه في أوائل السيرة النبوية .  

قوله : ( عتبة بابك ) بفتح المهملة والمثناة والموحدة كناية عن المرأة ، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها وهو حفظ الباب وصون ما هو داخله وكونها محل الوطء . ويستفاد منه أن تغيير عتبة الباب يصح أن يكون من كنايات الطلاق كأن يقول مثلا غيرت عتبة بابي أو عتبة بابي مغيرة وينوي بذلك الطلاق فيقع ، أخبرت بذلك عن شيخنا الإمام البلقيني ، وتمامه التفريع على شرع من قبلنا إذ حكاه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره .



قوله : ( نحن بخير وسعة ) في حديث أبي جهم " نحن في خير عيش بحمد الله ، ونحن في لبن كثير ولحم كثير وماء طيب " .

قوله : ( ما طعامكم قالت اللحم ، قال : فما شرابكم قالت الماء ) في حديث
أبي جهم ذكر اللبن مع اللحم والماء .

قوله : ( اللهم بارك لهم في اللحم والماء ) في رواية
إبراهيم بن نافع "اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم" ، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:" بركة بدعوة إبراهيم" وفيه حذف تقديره في طعام أهل مكة وشرابهم بركة" .
انتهي باختصار

الخميس، 5 أبريل 2012

من أحسن القصص :قصة جريج الراهب وأمه... (فقه وفوائد)

عن أبى هريرة-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تكلم مولود من الناس في مهد إلا عيسى بن مريم صلى الله عليه [وسلم] وصاحب جريج
قيل: يا نبي الله! وما صاحب جريج؟ 
قال: "فإن جريجا كان رجلاً راهباً في صومعة له، وكان راعي بقر يأوي إلى أسفل صومعته، وكانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي، فأتت أمه يوما ، فقالت: يا جريج! وهو يصلى،
 فقال في نفسه - وهو يصلي - أمي وصلاتي؟ فرأى أن يؤثر صلاته، 
ثم صرخت به الثانية،
 فقال في نفسه: أمي وصلاتى؟ فرأى أن يؤثر صلاته.
 ثم صرخت به الثالثة
 فقال: أمي وصلاتى. فرأى أن يؤثر صلاته.
 فلما لم يجبها قالت: لا أماتك الله يا جريج! حتى تنظر في وجه المومسات.(وفي رواية مسلم:فَجَاءَتْ أُمُّهُ ، قَالَ حُمَيْدٌ : فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا ، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ : أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي ، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي ،
 فَقَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ ، فَرَجَعَتْ ،
 ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ : أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي ، 
قَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ ،
 فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ ،
 قَالَ : وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ ثم انصرفت (وفي رواية مسلم : فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا ،
 فَقَالَتْ : إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ ،
 قَالَ : فَتَعَرَّضَتْ لَهُ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فأُتَيَ الملك بتلك المرأة ولدت (1). فقال: ممن؟ قالت: من جريج. قال: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم.
 قال: اهدموا صومعته وأتوني به، 
فضربوا صومعته بالفئوس، حتى وقعت. فجعلوا يده إلى عنقه بحبل؛ ثم انطلق به، فمر به على المومسات، فرآهن فتبسم، وهن ينظرن إليه في الناس.
 فقال الملك: ما تزعم هذه؟ 
قال: ما تزعم؟
 قال: تزعم أن ولدها منك.
 قال: أنت تزعمين؟ قالت: نعم. 
 قال: أين هذا الصغير؟
 قالوا: هذا في حجرها، 
فأقبل عليه.(وفي رواية مسلم: فَقَالَ : دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ ) فقال: من أبوك؟
 قال: راعي البقر. 
قال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟ 
قال: لا. 
قال: من فضة؟ 
قال: لا. 
قال: فما نجعلها؟
 قال: ردوها كما كانت.
 قال: فما الذي تبسمت؟ 
قال: أمراً عرفته، أدركتنى دعوة أمي، ثم أخبرهم".
رواه البخاري في"الصحيح" وفي "الأدب المفرد" ، ومسلم في "الصحيح" {كتاب البروالصلةوالآداب}في موضعين منه ،وترجم له الامام البخاري-رحمه الله- في "الأدب المفرد ": ( باب دعوة الوالدين) ، وترجم له النووي -رحمه الله - في "شرح مسلم " :(بَاب تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ) ، وقال -رحمه الله-:
"وفي حديث جريج هذا فوائد كثيرة : منها عظم بر الوالدين ،
 وتأكد حق الأم ، وأن دعاءها مجاب ،
 وأنه إذا تعارضت الأمور بدئ بالأهم ، 
وأن الله تعالى يجعل لأوليائه مخارج عند ابتلائهم بالشدائد غالبا . قال الله تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وقد يجري عليهم الشدائد بعض الأوقات زيادة في أحوالهم ، وتهذيبا لهم ، فيكون لطفا . 
ومنها استحباب الوضوء للصلاة عند الدعاء بالمهمات ،
 ومنها أن الوضوء كان معروفا في شرع من قبلنا ، فقد ثبت في هذا الحديث في كتاب البخاري( فتوضأ وصلى )وقد حكى القاضي عن بعضهم أنه زعم اختصاصه بهذه الأمة .
 ومنها إثبات كرامات الأولياء ، وهو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة ".
وكان قد قال قبله:
" قال العلماء هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه إجابتها لأنه كان في صلاة نفل ، والاستمرار فيها تطوع لا واجب ، وإجابة الأم وبرها واجب ، وعقوقها حرام ، وكان يمكنه أن يخفف الصلاة ويجيبها ثم يعود لصلاته ، فلعله خشي أنها تدعوه إلى مفارقة صومعته ، والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها وحظوظها ، وتضعف عزمه فيما نواه وعاهد عليه ".

__________
(1) أي من الزنى .

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...