السبت، 23 نوفمبر 2013

من روائع التفسير: هذه آية كريمةُ أصلٌ في محاسبة العبد نفسَه



قال العلامة السعدي -رحمه الله-عند تفسير قوله تعالي:{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ * لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏} سورة الحشر18-21

" {18} يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه سرًّا وعلانيةً في جميع الأحوال،

وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامرِهِ وشرائعهِ وحدودِه،
 وينظُروا ما لهم وما عليهم،
 وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرُّهم في يوم القيامةِ؛ فإنَّهم إذا جعلوا الآخرة نصبَ أعينهم وقبلةَ قلوبهم، واهتمُّوا للمقام  بها؛ اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها وتصفيتها من القواطع والعوائق، التي توقِفُهم عن السير أو تَعوقُهم أو تصرِفهم،
 وإذا علموا أيضاً أنَّ {الله خبيرٌ بما}: يعملون، لا تخفى عليه أعمالُهم، ولا تضيع لديه، ولا يهملها؛ أوجب لهم الجدَّ والاجتهاد.
وهذه الآية الكريمةُ أصلٌ في محاسبة العبد نفسَه،
 وأنَّه ينبغي له أن يتفقَّدها؛ فإنْ رأى زللاً؛ تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه،
وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله؛ بذل جهدَه واستعانَ بربِّه في تتميمه وتكميله ([2]) وإتقانه،
 ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيرِهِ؛ فإن ذلك يوجب له الحياء لا  محالة.
{19} والحرمانُ كلُّ الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوماً نسوا الله، وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فُرُطاً، فرجعوا بخسارة الدارين، وغُبِنوا غبناً لا يمكن تداركه ولا يُجبر كسرُه؛ لأنهم {هم الفاسقون} الذين خرجوا عن طاعة ربِّهم، وأوضعوا في معاصيه.
{20} فهل يستوي مَنْ حافظ على تقوى الله، ونظر لما قدَّم لغده فاستحقَّ جناتِ النعيم والعيش السليم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصالحين، ومن غَفَل عن ذكره ونسي حقوقَه فشقي في الدُّنيا، واستحقَّ العذاب في الآخرة؛ فالأوَّلون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون.
{21} ولـمَّا بيَّن تعالى لعباده ما بيَّن، وأمر عباده ، ونهاهم في كتابه العزيز؛ كان هذا موجباً لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثَّهم عليه، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي؛ فإنَّ هذا القرآن لو أنزله {على جبل؛ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله}؛ أي: لكمال تأثيره في القلوب؛ فإنَّ مواعظَ القرآن أعظمُ المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتويةٌ على الحكم والمصالح المقرونة بها وهي من أسهل شيء على النفوس وأيسرها على الأبدان، خاليةٌ من التكلُّف  ، لا تناقض فيها ولا اختلاف ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلُحُ لكل زمانٍ ومكانٍ، وتليقُ لكلِّ أحدٍ.
 ثم أخبر تعالى أنه يضرِبُ للناس الأمثال، ويوضِّح لعباده [في كتابه] الحلال والحرام؛ لأجل أن يتفكَّروا في آياته ويتدبَّروها؛ فإنَّ التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبيـِّن له طرق الخير والشرِّ، ويحثُّه على مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيم، ويزجرُه عن مساوىء الأخلاق؛ فلا أنفع للعبد من التفكُّر في القرآن والتدبُّر لمعانيه"انتهى.



"

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

من روائع التفسير: من أصول الحكمة وقواعدها الكبار.

قال العلامة السعدي-رحمه الله- قي تفسيره القيم <تيسير الكريم الرحمن> عند تفسير قوله تعالي:{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏--} سورة لقمان12-19:
" يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، وهي العلم ‏بالحق‏ على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما، ولا يكون حكيمًا‏.‏
وأما الحكمة، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح‏.
ولما أعطاه اللّه هذه المنة العظيمة، أمره أن يشكره على ما أعطاه، ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين، يعود نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر اللّه، عاد وبال ذلك عليه‏.‏
والله {غني}‏عنه‏ {حميد} فيما يقدره ويقضيه، على من خالف أمره؛

 فغناه تعالى، من لوازم ذاته، وكونه حميدا في صفات كماله، حميدا في جميل صنعه، من لوازم ذاته، وكل واحد من الوصفين، صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر، زيادة كمال إلى كمال‏.‏
واختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا‏؟‏ واللّه تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ‏}
أو قال له قولا به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب ،
 فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏، ووجه كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئا، بمن له الأمر كله،
 وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه،
 وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة ‏‏من النعم‏، بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء‏؟‏‏؟‏‏!‏
وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، ‏‏فجعلها في أخس المراتب‏ جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرًا‏.‏
ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ‏}‏ أي‏:‏ عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا‏؟‏ فوصيناه ‏{‏بِوَالِدَيْهِ‏}‏ وقلنا له‏:‏ ‏{‏اشْكُرْ لِي‏}‏ بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي‏.‏ ‏{‏وَلِوَالِدَيْكَ‏}‏ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، ‏وإكرامهما‏، وإجلالهما، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل‏.‏
فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن ‏{‏إِلَيَّ الْمَصِيرُ‏}‏ أي‏:‏ سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك‏:‏ هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل‏؟‏ 
أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل‏؟‏‏.‏
ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم، فقال‏:‏ ‏{‏حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ‏}‏ أي‏:‏ مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد‏.‏
ثم ‏{‏فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ‏}‏ وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه‏؟‏
‏{‏وَإِنْ جَاهَدَاكَ‏}‏ أي‏:‏ اجتهد والداك ‏{‏عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا‏}‏ ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما، لأن حق اللّه، مقدم على حق كل أحد، و ‏"لا طاعة لمخلوق، في معصية الخالق‏"‏
ولم يقل‏:‏ ‏"‏وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما‏"‏ بل قال‏:‏ ‏{‏فَلَا تُطِعْهُمَا‏}‏ أي‏:‏ بالشرك، وأما برهما، فاستمر عليه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا‏}‏ أي‏:‏ صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما‏.‏
{‏وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ‏}وهم المؤمنون باللّه، وملائكته وكتبه، ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه‏.‏
واتباع سبيلهم، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى اللّه، التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى اللّه، ثم يتبعها سعي البدن، فيما يرضي اللّه، ويقرب منه‏.‏
{‏ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ الطائع والعاصي، والمنيب، وغيره ‏{‏فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ فلا يخفى على اللّه من أعمالهم خافية‏.‏
{‏يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ‏}‏ التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، ‏{‏فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ‏}‏ أي في وسطها ‏{‏أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ‏}‏ في أي جهة من جهاتهما ‏{‏يَأْتِ بِهَا اللَّهُ‏}‏ لسعة علمه، وتمام خبرته وكمال قدرته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ‏}‏ أي‏:‏ لطف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار‏.‏
والمقصود من هذا، الحث على مراقبة اللّه، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ‏.‏
{‏يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ‏}‏ حثه عليها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية، ‏{‏وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ‏}‏ وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه‏.‏
والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ‏}‏ ومن كونه فاعلا لما يأمر به، كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه‏.‏
ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال‏:‏ ‏{‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ‏}‏ الذي وعظ به لقمان ابنه ‏{‏مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‏}‏ أي‏:‏ من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم‏.‏
{‏وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك الناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظما‏.‏
{‏وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا‏}‏ أي‏:‏ بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسك‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ‏}‏ في نفسه وهيئته وتعاظمه ‏{‏فَخُور‏}‏ بقوله‏.‏
{‏وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ‏}‏ أي‏:‏ امش متواضعا مستكينا، لا مَشْيَ البطر والتكبر، ولا مشي التماوت‏.‏
{‏وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ‏}‏ أدبا مع الناس ومع اللّه، ‏{‏إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ‏}‏ أي أفظعها وأبشعها ‏{‏لَصَوْتُ الْحَمِيرِ‏}‏ فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته‏.‏
وهذه الوصايا، التي وصى بها لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرًا، وإلى تركها إن كانت نهيا.‏
وهذا يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها،
 فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه،
 وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك‏.‏
 وأمره بمراقبة اللّه، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها‏.‏
ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع،
 ونهاه عن البطر والأشر، والمرح،
 وأمره بالسكون في الحركات والأصوات،
 ونهاه عن ضد ذلك‏.‏
وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، كما قال تعالى:{واستَعينوا بالصَّبْر والصلاةِ}.
  فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصا بالحكمة، مشهورا بها‏.‏
 ولهذا من منة اللّه عليه وعلى سائر عباده، أن قص عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة".‏

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

العطاس : سنن وآداب مهجورة

ذكر الإمام البخارى-رحمه الله-في <صحيحه> في كتاب{الأدب} منه عدداً من تراجم الأبواب بين فيها سننا وآدابا متعلقة بالعطاس..سنذكرها مع إختصار السند...            
قال -رحمه الله-:
باب الحمد للعاطس
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقيل له فقال:" هذا حمد الله وهذا لم يحمد الله".
باب تشميت العاطس إذا حمد الله
عن البراء -رضي الله عنه- قال:" أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع؛ أمرنا:
 بعيادة المريض،
 واتباع الجنازة،
 وتشميت العاطس،
 وإجابة الداعي،
 ورد السلام 
،ونصر المظلوم،
 وإبرار المقسم،
 ونهانا عن سبع:
 عن خاتم الذهب أو قال حلقة الذهب ،
وعن لبس الحرير، والديباج ،والسندس،
والمياثر".
باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ؛
 فإذا عطس فحمد الله؛ فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته ،
 وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان ؛ فليرده ما استطاع ،
 فإذا قال ها ضحك منه الشيطان".
باب إذا عطس كيف يشمت
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله ،
وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله؛
فإذا قال له: يرحمك الله،
فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم
".
باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله
سليمان التيمي قال سمعت أنسا -رضي الله عنه- يقول: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ فشمت أحدهما ،ولم يشمت الآخر،
فقال الرجل يا رسول الله: شمت هذا ولم تشمتني،
قال:"إن هذا حمد الله ولم تحمد الله".
باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه
عن أبي هريرة-رضى الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ؛
 فإذا عطس أحدكم وحمد الله، كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله،
وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان؛
 فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ؛
 فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ".
من فقه الأحاديث:
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في :<فتح الباري> :
" وقال ابن عبد البر : دل حديث عبيد بن رفاعة على أنه يشمت ثلاثا ويقال أنت مزكوم بعد ذلك ، وهي زيادة يجب قبولها فالعمل بها أولى .

ثم حكى النووي عن ابن العربي أن العلماء اختلفوا: هل يقول لمن تتابع عطاسه أنت مزكوم في الثانية أو الثالثة أو الرابعة ؟ على أقوال ، والصحيح في الثالثة .

الرابع: ممن يخص من عموم العاطسين من يكره التشميت ،
قال ابن دقيق العيد : ذهب بعض أهل العلم إلى أن من عرف من حاله أنه يكره التشميت أنه لا يشمت إجلالا للتشميت أن يؤهل له من يكرهه،
 فإن قيل : كيف يترك السنة لذلك ؟
 قلنا : هي سنة لمن أحبها ، فأما من كرهها ورغب عنها فلا . قال : ويطرد ذلك في السلام والعيادة .
قال ابن دقيق العيد : والذي عندي أنه لا يمتنع من ذلك إلا من خاف منه ضرراً ، فأما غيره فيشمت امتثالاً للأمر، ومناقضة للمتكبر في مراده وكسراً لسورته في ذلك ، وهو أولى من إجلال التشميت .
قلت : ويؤيده أن لفظ التشميت دعاء بالرحمة ؛ فهو يناسب المسلم كائنا من كان والله أعلم .

الخامس: قال ابن دقيق العيد يستثنى أيضا من عطس والإمام يخطب ، فإنه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس والأمر بالإنصات لمن سمع الخطيب ،
 والراجح الإنصات لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ الخطيب ولا سيما إن قيل بتحريم الكلام والإمام يخطب ، وعلى هذا فهل يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب أو يشرع له التشميت بالإشارة ؟ فلو كان العاطس الخطيب فحمد واستمر في خطبته فالحكم كذلك وإن حمد فوقف قليلا ليشمت فلا يمتنع أن يشرع تشميته .
السادس: ممن يمكن أن يستثنى من كان عند عطاسه في حالة يمتنع عليه فيها ذكر الله ، كما إذا كان على الخلاء أو في الجماعة فيؤخر ثم يحمد الله فيشمت ، فلو خالف فحمد في تلك الحالة هل يستحق التشميت ؟ فيه نظر" .

و قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله :
"قوله : ( هذا حمد الله وهذا لم يحمد ) في حديث أبي هريرة إن هذا ذكر الله فذكرته ، وأنت نسيت الله فنسيتك وقد تقدم أن النسيان يطلق ويراد به الترك .
وفي الحديث: أن التشميت إنما يشرع لمن حمد الله ، قال ابن العربي : وهو مجمع عليه ،..
وفيه: جواز السؤال عن علة الحكم ،وبيانها للسائل ولا سيما إذا كان له في ذلك منفعة ،
وفيه: أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يلقن الحمد ليحمد فيشمت ، كذا استدل به بعضهم وفيه نظر ، ...

ومن آداب العاطس:
أن يخفض بالعطس صوته ويرفعه بالحمد ،
وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه ،
ولا يلوي عنقه يمينا ولا شمالا لئلا يتضرر بذلك .

قال ابن العربي : الحكمة في خفض الصوت بالعطاس: أن في رفعه إزعاجا للأعضاء ، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه ، ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء ، وقد شاهدنا من وقع له ذلك .

وقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي هريرة قال " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عطس وضع يده على فيه وخفض صوته " ، وله شاهد من حديثابن عمر بنحوه عند الطبراني ،
قال ابن دقيق العيد : ومن فوائد التشميت:
تحصيل المودة والتأليف بين المسلمين ،
وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكبر ، والحمل على التواضع ،
لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يعرى عنه أكثر المكلفين "انتهى.

الخميس، 17 أكتوبر 2013

من روائع الآثار: صدق التوكل على الله نجاة...

أخرج الإمام ابن عبد البر-رحمه الله-في كتابه "التمهيد"(23/90) في ترجمة التابعي الجليل يحيي بن سعيد الأنصاري-رحمه الله-بسنده عن يحيي بن محمد ، قال حدثنا سليمان بن بلال ، قال:
لما خرج يحيي بن سعيد إلى العراق ، خرجت أشيعه ؛ فكان أول ما استقبلته جنازة ، فتغير وجهي لذلك ؛ فالتفت إلي ، 
فقال: يا أبا محمد كأنك تطيرت!؛
فقلت: اللهم لا طير إلا طيرك.
فقال: لا عليك ، -والله - لئن صدق{طيرك}؛ لينعشن الله أمري .
قال: فمضي-والله- ما أقام شهرين حتي بعث بقضاء دينه ، ونفقة أهله ، وأصاب خيراً".
وكذلك ذكرها الإمام الذهبي-رحمه الله-في ترجمته في "تذكرة الحفاظ"(1/138)، والزيادة منه.

الأربعاء، 9 أكتوبر 2013

من (فتاوى اللجنة الدائمة): حكم التكبير جماعة -بتطريب وتلحين- والرد على من أجازه!؟



الفتوى رقم ( 20618 )

س: لقد كنت في مدينة صغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية ، اجتمع فيها أكثر من مائة وخمسين مسلمًا ومسلمة
لأداء صلاة عيد الفطر، وكادت أن تقوم معركة بين المصلين بسبب الاختلاف على جواز التكبير جماعة وعدم جوازه ، ولولا لطف الله لأصبح المسلمون في عيدهم مهزلة للمتشمتين من العلمانيين ومن غير المسلمين، فمن يقول بعدم الجواز يقول بأن السلف لم يفعله، والأصل أن الأدعية والأذكار فردية، ولم يرد نص صريح بالتكبير جماعة، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، ومن يقول بمشروعية التكبير جماعة وليس مجرد الجواز يستند إلى النصوص نفسها التي يستند إليها الطرف الأول في مشروعية التكبير، ولكن بتفسير مغاير يتمثل فيما يلي:





1- القول بأن الأصل في الأدعية أنها أعمال فردية لا يوجب عدم جواز الدعاء جماعة، فالتأمين وراء من يدعو صيغة من الدعاء جماعة تتسق مع طبيعة الدعاء.

2- نص الحديثين الواردين في التكبير يفيد بأن شخصًا يكبر فيكبر الناس بتكبيره، أي: معه أو خلفه، فالرواية الأولى تقول: (كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما) ( البخاري ) كتاب (العيدين) باب (فضل العمل في أيام التشريق) وباب (التكبير أيام منى) والرواية الأخرى تقول: (كان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل
المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا، وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق.العسقلاني (ج 2 535)، ويقول هذا الفريق بأنه واضح من الروايتين أن التكبير جماعي للأسباب التالية: أن هذه الصياغة وردت لتعني القيام بشيء جماعة في حديث:  كان النبي يصلي من الليل.. فقام أناس يصلون بصلاته  ( البخاري ) كتاب (الأذان، إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة) وفي الرواية الأخرى:  فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه  ( البخاري ) كتاب (الأذان) باب (صلاة الليل).





ج: أولاً: الدعاء والذكر من أعظم العبادات، والعبادات مبناها على النص والاتباع، لا على الإحداث والاختراع، والأصل في الدعاء والذكر أن يقوم به كل إنسان بمفرده وأن يكون بصوت منخفض، كما دلت على ذلك آيات القرآن ونصوص السنة الصحيحة، قال الله تعالى:  وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا  ، قالت عائشة رضي الله عنها: (أُنزل هذا في الدعاء) .



متفق عليه، وقال سبحانه:  ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  ، قال بعض المفسرين: أي: المعتدين برفع أصواتهم في الدعاء، وقال الله جل وعلا:  وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ  ، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:  كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا بصيرًا  ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر على الذين رفعوا أصواتهم بالتكبير وهم في الفضاء
فالإنكار على من يفعل ذلك في المساجد وإيقاعه بأصوات متطابقة بتطريب وتلحين من باب أولى. 
وجاء عن جمع من السلف من الصحابة فمن بعدهم الإنكار على الذين يجتمعون فيدعون بصوت واحد أو يذكرون الله بتهليل أو تكبير أو تسبيح بصوت واحد، فعن أبي عثمان النهدي قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه: إن هاهنا قومًا يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر : أقبل بهم معك، فأقبل، وقال عمر للبواب: أعِدَّ سوطًا، فلما دخلوا على عمر علا أميرهم ضربًا بالسوط  .
وقال عمر بن يحيى سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءناأبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن : إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك.. إلى أن قال ابن مسعود رضي الله عنه لما وقف عليهم: ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبْلَ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لم يصبه  .
فهذا أبو موسى الأشعري وابن مسعود رضي الله عنهما، أنكرا على أولئك النفر تلك الكيفية والهيئة الجماعية للذكر، مع أن الذكر مستحب ومرغب فيه،
ولكن ليس على الطرق المبتدعة المخترعة، وكيفيته وهيئته يجب أن تكون على الطريقة المتلقاة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة رضي الله عنهم.







وعن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب ، فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص، فقال سعيد : ما أسرع بهم إلى هذا المجلس، قال مجاهد : فقلت: يتأولون ما قال الله تعالى ذكره، قال: وما قال؟ قلت:  وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ  قال: وفي هذا ذا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها ألا إنما ذاك في الصلاة  .
وعن مجاهد أيضًا قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما صلى قال: فاستند إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فانثال الناس عليه، فقال: يا أيها الناس: إليكم، فقيل: يرحمك الله، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية:  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، فقال: وهذا عُنيَ بهذا، إنما هو في الصلاة  ، وواضح من هذه الآثار وغيرها أن السلف الصالح كانوا ينكرون الاجتماع للدعاء أو الذكر واتخاذ ذلك أمرًا راتبًا، فكيف إذا انضاف إلى ذلك رفع الأصوات والتلحين؟ 






الحاصل أن المشروع في الدعاء والذكر أن يقوم به كل إنسان بمفرده غير رافع صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه أو جاره، إلا ما استثناه الشارع كالدعاء من الإمام في الصلاة والتأمين عليه سواءً بعد الفاتحة أو في القنوت ونحو ذلك
.
ثانيًا: وأما الآثار المروية عن بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ كأثر عمر أنه كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا، وأن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهم - فالجواب عن ذلك: أن سماع أهل المسجدلعمر لا يدل على أنه كان يرفع صوته بالتكبير رفعًا منكرًا، وإنما كان رضي الله عنه جهير الصوت، وكانت قبته إلى جانب المسجد، فكان إذا كبر وهو فيها سمعه أهل المسجد فتنبهوا من غفلتهم وكبروا كل بمفرده، ومثل ذلك فعل ابن عمر وأبي هريرة ، ولم يذكر عنهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يبالغون في رفع أصواتهم بالتكبير، وحاشاهم أن يخالفوا قول النبي صلى الله عليه وسلم:  اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا  وأيضًا فإنعمر وابنه وأبا هريرة رضي الله عنهم كان كل منهم يكبر بمفرده وكذلك كل من سمعهم فإن كلاًّ يكبر بمفرده، ولم يكن منهم اجتماع على صوت واحد وتلحين وتطريب والله أعلم.


ثالثًا: يجب على جميع المسلمين في كل زمان ومكان بذل النصيحة فيما بينهم، وبحث المسائل في ضوء الكتاب والسنة، والتجرد من الهوى والعصبية لغير الحق، وأن يحبوا لإخوانهم من الخير ما يحبون لأنفسهم، وأن يسعوا إلى الاجتماع والألفة، والبعد عن الافتراق والنفرة، وأن يجتهد الجميع في متابعة السنة والسير على منهاج سلف الأمة، ففي ذلك الخير والعصمة، وليس الاختلاف في هذه المسائل موجبًا للتقاطع والتناحر، بل الواجب التناصح وبيان السنة وعدم الاختلاف في أداء الصلوات جماعة بسبب هذه المسائل، نسأل الله الكريم لنا ولإخواننا المسلمين الهداية والتوفيق، وأن يمن علينا بسلوك صراطه المستقيم والثبات عليه، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، إنه سميع قريب مجيب. 
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
http://www.alifta.net/fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=3&View=Page&PageNo=4&PageID=12838&languagename=

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...