الثلاثاء، 3 يوليو 2012

من روائع التفسير: (من ثمارهم تعرفونهم)

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله-في تفسيره الماتع النافع"تيسير الكريم الرحمن.."عند تفسير قوله تعالي:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)}سورة البقرة:
" لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره, وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو خير ومصلحة وبر, أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله, فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه ، فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق, ظننته يتكلم بكلام نافع, ويؤكد ما يقول بأنه{ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } بأن يخبر أن الله يعلم, أن ما في قلبه موافق لما نطق به, وهو كاذب في ذلك, لأنه يخالف قوله فعله.
فلو كان صادقا, لتوافق القول والفعل, كحال المؤمن غير المنافق, فلهذا قال: { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } أي: إذا خاصمته, وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب, وما يترتب على ذلك, ما هو من مقابح الصفات, ليس كأخلاق المؤمنين, الذين جعلوا السهولة مركبهم, والانقياد للحق وظيفتهم, والسماحة سجيتهم.
  {وَإِذَا تَوَلَّى } هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك { سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } أي: يجتهد على أعمال المعاصي, التي هي إفساد في الأرض { وَيُهْلِكَ } بسبب ذلك{ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } فالزروع والثمار والمواشي, تتلف وتنقص, وتقل بركتها, بسبب العمل في المعاصي، { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } وإذا كان لا يحب الفساد, فهو يبغض العبد المفسد في الأرض, غاية البغض, وإن قال بلسانه قولا حسنا.
ففي هذه الآية

دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص, ليست دليلا على صدق ولا كذب, ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها, المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود, والمحق والمبطل من الناس, بسبر أعمالهم, والنظر لقرائن أحوالهم, وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم.
ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ } فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر  على الناصحين.
  {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } التي هي دار العاصين والمتكبرين، { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف عنهم العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم"انتهي.

الاثنين، 2 يوليو 2012

من روائع خطب السلف-رحمهم الله تعالي-...

جاء في تفسير الحافظ ابن كثير-رحمه الله- عند تفسر قوله تعالي:{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)}سورةالمؤمنون:

"قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسيّ، حدثنا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق-أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال : 

كان آخر خطبة خطب عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال : أما بعد ؛
 فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن  تتركوا سدى،
 وإن لكم معادا ينـزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم،
 فخاب وخسر مَن خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السموات والأرض،
 ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه،
 وباع نافدا بباق،
 وقليلا بكثير، 
وخوفا بأمان،
 ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردون  إلى خير الوارثين؟
 ثم إنكم في كل يوم تُشَيّعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صَدْع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مُرْتَهَن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم.
 فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه، ونـزول الموت بكم 
ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله ".

الأحد، 1 يوليو 2012

من روائع المقالات:الرد على من أنكر حدَّ الردة...للعلامة الفوزان-حفظه الله-



قد نتج عن القول بحرية الرأي إنكار حدِّ الردة لأنه يتعارض معها بزعم من يرى ذلك. قالوا ولأنه لم يرد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً. قالوا ولأنه يتعارض مع قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). قالوا ولأن حدَّ الردة لم يرد في القرآن. هذا حاصل ما وقفت عليه من تعليلاتهم لذلك. والجواب عن ذلك:
1- حدُّ الردة ثابت بإجماع الفقهاء. قال ابن قدامة في المغني (8-126) الرابع يعني من أحكام المرتد: أنه إذا لم يتب قتل - وهو قول عامة الفقهاء.
2- أن قتل المرتد فيه حفظ للعقيدة من العبث، لأن الشريعة تحفظ الضرورات الخمس - العقيدة والنفس والعرض والنسل والمال والأمن.
3- أما كون حدِّ الردة لم يُذكر في القرآن فقد جاء في السنَّة الصحيحة. مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من بدَّل دينه فاقتلوه" وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث - الثيِّب الزاني - والنفس بالنفس - والتارك لدينه المفارق للجماعة) وقد قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، وقد أمر الرسول بقتل من بدَّل دينه فوجب قتله.
4- أما قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) معناه أنه لا يكره أحدٌ على الدخول في الإسلام. وحدُّ الردة عقوبة على الخروج من الإسلام وليست لأجل الدخول فيه. لأن الذي دخل في الإسلام قد اعترف بأنه حق ثم تركه عن علم؛ فهو متلاعب بالدين فاستحق القتل على ذلك حماية للعقيدة عن العبث.
5- حرية الرأي تكون فيما للرأي فيه مجال ولا مجال للرأي في أمور العقيدة وأمور الدين. لأن هذه الأشياء مبناها على الإيمان والتسليم والانقياد.
6- حدُّ الردة حدٌّ من حدود الله لا يجوز تعطيله لأي اعتبار، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وحدُّ الردة أعظم من حدِّ السرقة. والنبي صلى الله عليه وسلم منع الشفاعة في الحدود وشدَّد في ذلك.
7- أما أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً فجوابه أن الرسول ترك ذلك لمانع وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه".
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

كتبه
صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
1433-07-19هـ

منقول من موقع العلامة الفوزان-حفظه الله-

السبت، 30 يونيو 2012

من أحاديث النهي عن التفرق والتحزب...

 فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَآنَا حَلَقًا ؛ فَقَالَ : " مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ ".
صحيح الامام مسلم "كِتَاب الصَّلَاةِ " وبوب عليه الامام النووي-رحمه الله- بقوله: بَاب الأَمْرِ بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاةِ وَالنَّهْيِ عن التفرق والأمر بالاجتماع.


وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كان الناس إذا نزلوا تفرقوا في الشعاب والأودية ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن تفرقكم في الشعاب والأودية ، إنما ذلكم من الشيطان " .
فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض .
رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني

 حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ ، يَقُولُ : شَهِدْتُهُمْ يَوْمَ تَرَامَوْا بِالْحَصَى ، فِي أَمْرِ عُثْمَانَ حَتَّى جَعَلْتُ أَنْظُرُ فَمَا أَرَى أَدِيمَ السَّمَاءِ مِنَ الرَّهْجِ ، فَسَمِعْتُ كَلَامَ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ الْحُجَرِ ، فَقِيلَ لِي : هَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ : إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَرِئَ مِمَّنْ فَرَّقَ دِينَهُ وَاحْتَزَبَ 
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ مُؤَمَّلٌ : عَائِشَةُ ، وَالصَّوَابُ أُمِ سَلَمَةَ 
حسن ...(الجامع في العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل)رقم 334


ومن حرص السلف على التجمع، وخوفهم وحذرهم من الاختلاف والتفرق، ما فعله ابن مسعود رضي الله عنه :
اخرج عبدالرزاق في "مصنفه" {كتاب الجمعة} باب:  ذكرالقصاص
5409 عبد الرزاق ، عن جعفر قال : أخبرنا عطاء بن السائب قال : لا أعلمه إلا عن أبي البختري قال : بلغ عبد الله بن مسعود أن قوما يقعدون من المغرب إلى العشاء ، يسبحون يقولون : قولوا كذا ، قولوا كذا ، قال عبد الله : " إن قعدوا فآذنوني بهم ، فلما جلسوا آذنوه ، فانطلق إذ آذنوه ، فدخل ، فجلس معهم ، وعليه برنس فأخذوا في تسبيحهم فحسر عبد الله عن رأسه البرنس ، وقال : أنا عبد الله بن مسعود ، فسكت القوم ، فقال :لقد جئتم ببدعة ظلماء ، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما " قال : فقال رجل من بني تميم : ما جئنا ببدعة ظلماء وما فضلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ، فقال عمرو بن عتبة بن فرقد : أستغفر الله يا ابن مسعود ، وأتوب إليه قال : فأمرهم أن يتفرقوا ، 
ورأى ابن  مسعود حلقتين في مسجد الكوفة ، فقال : " أيتكما كانت قبل صاحبتها ، فقالت إحداهما : نحن ، قال للأخرى : تحولوا إليهم ، فجعلها واحدة " .



الأربعاء، 27 يونيو 2012

الدر الثمين من كلام الامام ابن عثيمين -رحمه الله-


بسم الله الرحمن الرحيم

وقفت علي كلام نفيس للعلامة ابن عثيمين- رحمه الله - ،  وأنا اطالع شرحه المفيد علي زاد المستقنع  ، فأحببت ان اوقف عليه من لم يقف عليه لأهميته ولاحتياج السلفيين اليه  ، وهم يمرون بفترة عصيبة وفتن متكاثرة  ، اذهبت وحدتهم وشتت جمعهم ،   فتأملوا هذا الكلام وانشروه ، واحذروا من التمييع !!  والله المستعان 
 قال الامام ابن عثيمين- رحمه الله -في الشرح الممتع (5/137-138) :
( وهذه جادة مذهب الإمام أحمد نفسه ـ رحمه الله ـ أنه يرى أن السلف إذا اختلفوا في شيء، وليس هناك نص فاصل قاطع، فإنه كله يكون جائزاً؛ 
لأنه ـ رحمه الله ـ يعظم كلام الصحابة ويحترمه ، 
فيقول: إذا لم يكن هناك نص فاصل يمنع من أحد الأقوال فإن الأمر في هذا واسع.
ولا شك أن هذا الذي نحا إليه الإمام أحمد من أفضل ما يكون لجمع الأمة واتفاق كلمتها ؛ لأن من الناس من يجعل الاختلاف في الرأي الذي يسوغ فيه الاجتهاد سبباً للفرقة والشتات، حتى إنه ليضلل أخاه بأمر قد يكون فيه هو الضال، وهذا من المحنة التي انتشرت في هذا العصر على ما في هذا العصر من التفاؤل الطيب في هذه اليقظة من الشباب خاصة، فإنه ربما تفسد هذه اليقظة، وتعود إلى سبات عميق بسبب هذا التفرق، وأن كل واحد منهم إذا خالفه أخوه في مسألة اجتهادية ليس فيها نص قاطع ذهب ينفر عنه ويسبّه ويتكلم فيه، 
وهذه محنة أفرح من يفرح بها أعداء هذه اليقظة؛
 لأنهم يقولون: سقينا بدعوة غيرنا، جعل الله بأسهم بينهم،
 حتى أصبح بعض الناس يبغض أخاه في الدين، أكثر مما يبغض الفاسق والعياذ بالله، 
وهذا لا شك أنه ضرر،
 وينبغي لطلبة العلم أن يدركوا ضرر هذا علينا جميعاً، وهل جاءك وحي من الله أن قولك هو الصواب؟ وإذا لم يأته وحي أن قوله هو الصواب، فما الذي يدريه؟ لعل قول صاحبه هو الصواب، وهو على ضلال،
 هذا هو الواقع، والآن ليس أحد من الناس يأتيه الوحي، 
فالكتاب والسنّة بين أيدينا، وإذا كان الأمر قابلاً للاجتهاد، فليعذر أحدنا أخاه فيما اجتهد فيه.
ولا بأس من النقاش المفيد الهادئ بين الإخوة،
 وأُفضِّل أن يكون النقاش بين المختلفين في غير حضور الآخرين؛ لأن الآخرين قد يحملون في نفوسهم من هذا النقاش ما لا يحمله المتناقشان، فربما يؤول الأمر بينهما إلى الاتفاق، لكن الآخرين الذين حضروا مثلاً قد يكون في قلوبهم شيء يحمل حتى بعد اتفاق هؤلاء، فيجري الشيطان بينهم بالعداوة، وحينئذٍ نبقى في بلائنا،
 فأقول: جزى الله الإمام أحمد خيراً على هذه الطريقة الحسنة: (أن السلف إذا اختلفوا في شيء، وليس هناك نص فاصل، فإن الأمر يكون واسعاً كله جائز).)
نشره:حسن بن حامد(أبومحمدالسلفي)

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

تحريف خطير في حديث ضعيف ، واستغلال غير شريف !!

جاء في (الضعيفة)(11/503-507) للامام الألباني-رحمه الله- تحت الحديث رقم 5320: ( كان في عماء ، فوقه هواء ، وما تحته هواء ، ثم خلق العرش على الماء )، وبعد بيان ضعفه :
"(تنبيه) : أورد الحافظ الذهبي هذا الحديث في كتابه "العلو" (ص 98 - طبع الهند ، وص 11 - طبعة المنار) بإسناده إلى حماد بن سلمة ؛ وزاد :
"ثم استوى عليه" .
إلا أنه تحرف لفظه في طبعة المنار ؛ فوقع فيه :
"استولى عليه" !!
وما في الهندية هو الصواب ؛ لأنه موافق لمخطوطة الظاهرية (ق 7/ 1) ، ولأنه مفسر في "العلو" نفسه من رواية إسحاق بن راهويه بلفظ :
"ثم كان العرش ، فارتفع عليه" .
وقد استغل هذا التحريف - جهلاً أو تجاهلاً - أحد جهمية الأزهريين من السوريين في كتاب له - زعم - "هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى ..." ؛ عقد فيه فصلاً (ص 78) بعنوان :
"التأويل والرسول عليه الصلاة والسلام ..." ؛ ذهب فيه إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول الاستواء على العرش بالاستيلاء (!) وأنه أشار بذلك إلى أمته باقتفاء أثره بتأويل كل ما يوهم ظاهره التجسيم ، وقال :
"والسؤال هنا : هل يوجد دليل على ما قلته ؟ نعم ؛ ها هو الدليل ، جاء في كتاب "العلو" للذهبي ..." ثم ساق الحديث بنصه المحرف ؛ ثم قال :
"فأنت ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أول قوله تعالى : (.... استوى) بقوله :
(استولى عليه)" ! قال :
"وبهذا يكون المؤولون قد اقتفوا أثر الرسول عليه الصلاة والسلام بصرف كل لفظ عن ظاهره - يفهم منه التجسيم - إلى لفظ آخر ينفي عنه ذلك" !!!
قلت : وبذلك أعطى سلاحاً للمعتزلة الذي ينكرون كثيراً من صفات الله تعالى - كالسمع والبصر ، وكرؤيته تعالى - بالتأويل الذي يؤدي إلى التعطيل ، قال المؤلف نفسه عنهم (ص 123) :
"بادعاء أن رؤية الله مستحيلة ، فهي تقتضي الجسمية ، والجسمية والجهة عندهم كفر" .
قلت : وهذا ما يصرح به هذا المؤلف الأنوك ! في كثير من المواضع ، فإذن المعتزلة على حق عنده ، بل هو منهم ؛ ولو تظاهر بأنه من أهل السنة والجماعة ! فهو ينكر علو الله على خلقه ، وأن القرآن كلام الله حقيقة ؛ بحجة أن ذلك تجسيم وتشبيه !! ويتظاهر بأنه يؤمن برؤية الله في الآخرة تبعاً للأشاعرة ، ويتجاهل أن ذلك يستلزم التجسيم على مذهبه ؛ وكذا الجهة .
ولكن ذاك السلاح غير ماض ؛ لأنه قائم على حديث لا وجود له إلا في ذهنه، ضعيف السند ، فيبادر إلى الإجابة عن ذلك بقوله:
"وسواء أكان الحديث صحيحاً أو ضعيفاً ؛ فلا أقل من أن يحمل على التفسير" !!
ما هذا الكلام أيها الأنوك الأحمق ؟!! فما هو الذي يقابل التفسير الذي ينبغي أن يحمل الحديث عليه إذا صح ؟!
وبعبارة أخرى : فالحديث صحيح أو ضعيف ، فإذا كان صحيحاً ، فماذا ؟ وإذا كان ضعيفاً ؛ فماذا ؟!
أليس في كل من الحالين يحمل الحديث على التفسير ؟! ولكن في حالة كونه ضعيفاً ؛ ما قيمة هذا التفسير الذي لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - ؟!
وجملة القول : أن هذا الكلام ركيك جداً ، يدل على عجمة هذا الجهمي ، وليس ذلك في لسانه فقط ، بل وفي تفكيره أيضاً ؛ لأنه في الوقت الذي يقطع بأن هناك دليلاً على أن الرسول أول كما تقدم ، ويكرر ذلك في مواضع أخر ؛ فيقول (ص 80) :
"فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد فسر الاستواء بالاستيلاء ؛ فهذا هو التأويل بعينه" ! إذ إنه يقول هذا الكلام الذي لا يشعر أنه به يهدم ما بنى ؛ لجهله بكون الحديث صحيحاً أو ضعيفاً ، فكيف وقد صرح جازماً بضعفه في مكان ثالث ، فقال (ص 103) :
"وقدمت لك أن الرسول عليه الصلاة والسلام فسر الاستواء بالاستيلاء ؛ حتى وإن كان أثراً ضعيفاً ؛ فيستأنس به في التأويل" !!
إذن ؛ هو ليس بدليل ؛ لأن الدليل لا يستأنس به فقط ، بل ويحتج به ، فكيف جاز له أن يتقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : "إنه فسر الاستواء بالاستيلاء" ؟! فليتبوأ - إذن - مقعده من النار !
ثم ما فائدة هذا التأويل الذي ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من الجهمية والمعطلة- مع بطلانه في نفسه عندنا - ما داموا هم أنفسهم لا يأخذون به إلا مع تأويله أيضاً ؟! ،

 ذلك لأنهم قد أورد عليهم أهل السنة حقاً أن تأويل الاستواء بالاستيلاء ؛ معناه : أنه لم يكن مستولياً عليه من قبل ، لا سيما بملاحظة الآية التي فيها : { ثم استوى على العرش } ؛ فإن (ثم) تفيد التراخي كما هو معلوم ، وهذا التأويل مما لا يقول به مسلم ؛ لأنه صريح في أن الله لم يكن مستولياً عليه سابقاً ؛ بل كان مغلوباً على أمره ، ثم استولى عليه ! لا سيما وهم يستشهدون بذاك الشعر :
قد استوى بشر على العراق * * * بغير سيف ولا دم مهراق !
تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً !
فلما أورد هذا عليهم ؛ انفكوا عنه ؛ فقال بعض متأخريهم - كما نقله هذا الأزهري (ص 25) - :
"ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق واستيلاء الخالق" !
وقال الكوثري في تعليقه على "الأسماء" (ص 406،410) :
"ومن حمله على معنى الاستيلاء ؛ حمله عليه بتجريده من معنى المغالبة" !
فأقول : إذا جردتم "الاستيلاء" من معنى المغالبة ؛ فقد أبطلتم تأويلكم من أصله ؛ لأن الاستيلاء يلازمه المغالبة عادة كما تدل عليه البيت المشار إليه ، فإذا كان لا بد من التجريد تمسكاً بالتنزيه ؛ فهلا قلتم كما قال السلف : "استوى : استعلى" ؛ ثم جردتم الاستعلاء من كل ما لا يليق بالله تعالى ؛ كالمكان ، والاستقرار ، ونحو ذلك ، لا سيما وذلك غير لازم من الاستعلاء حتى في المخلوق ؛
فالسماء فوق الأرض ومستعلية عليها ، ومع ذلك فهي غير مستقرة عليها ، ولا هي بحاجة إليها ، فالله تعالى أولى بأن لا يلزم من استعلائه على المخلوقات كلها استقراره عليها ، أو حاجته إليها سبحانه ، وهو الغني عن العالمين .
ومن مثل هذا ؛ يتبين للقارىء اللبيب أن مذهب السلف: أسلم وأعلم وأحكم ، وليس العكس ؛ خلافاً لما اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام "انتهى.

السبت، 23 يونيو 2012

من روائع القصص :{قصة جلبيب والفتاة الأنصارية}؟!

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه :
( أَنَّ جُلَيْبِيبًا كَانَ امْرَأً يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ ، يَمُرُّ بِهِنَّ وَيُلَاعِبُهُنَّ ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي : لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ جُلَيْبِيبٌ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ . 
قَالَ : وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَيِّمٌ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا . 
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ :" زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ ". 

فَقَالَ : نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ وَنُعْمَ عَيْنِي .
 قَالَ: " إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي ".
 قَالَ : فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟
 قَالَ :" لِجُلَيْبِيبٍ "
: قَالَ : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أُشَاوِرُ أُمَّهَا .
 فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ : رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ . فَقَالَتْ : نِعِمَّ وَنُعْمَةُ عَيْنِي .
 فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ .
 فَقَالَتْ : أَجُلَيْبِيبٌ إنية ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنية ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنية ؟ لَا . لَعَمْرُ اللهِ لَا نُزَوَّجُهُ . 
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا ، 

قَالَتِ الْجَارِيَةُ : مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ ؟
 فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا ؛
 فَقَالَتْ : أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ ؟ ادْفَعُونِي ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي . 
فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : شَأْنَكَ بِهَا . فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا .

 قَالَ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ لَهُ ،
 قَالَ : فَلَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ ؟ " قَالُوا : نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا .
 قَالَ : " انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ ؟
قَالُوا : لَا . 
قَالَ : " لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا ".
 قَالَ : فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى .
 قَالَ : فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ .
 فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ! هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ . فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ :" قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ " . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . 
ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ . 
قَالَ ثَابِتٌ : فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا . 
وَحَدَّثَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا قَالَ : هَلْ تَعْلَمْ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

 قَالَ :" اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا ، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا " . 
قَالَ : فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا .

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مَا حَدَّثَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ !
 معاني المفردات 
( أن جليبيباً كان امرأ يدخل على النساء ، يمر بهن ويلاعبهن ) ، المقصود بالملاعبة هنا المحادثة ، وهو لفظ الراوي عفان بن مسلم ، أما الرواة الآخرون للسياق المطول فقالوا : ( كان يدخل على النساء ، ويتحدث إليهن )، ولعل ذلك وقع قبل نزول آية الحجاب . 
( أيِّم ) : توفي عنها زوجها . 
( نُعْم عين ) : أي : نكرمك بها كرامة ، ونسر عينك بها مسرة . 
( إنيه ) : قال ابن الأثير : 
" قد اختلف في ضبط هذه اللفظة اختلافاً كثيراً، فرويت بكسر الهمزة والنون وسكون الياء وبعدها هاء ، ومعناها أنها لفظة تستعملها العرب في الإنكار ، يقول القائل : جاء زيد ، فتقول أنت : أزيدنيه ، وأزيد إنيه ، كأنك استبعدت مجيئه " انتهى.
" النهاية " (1/78-79) 
( هذا مني وأنا منه ) معناه : " المبالغة في اتحاد طريقتهما ، واتفاقهما في طاعة الله تعالى "
كما قال النووي في " شرح مسلم " (16/26)

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...