الجمعة، 6 أبريل 2012

"ان الله لا يضيع أهله " وقصة هاجر أم اسماعيل عليه السلام ،وماء زمزم

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس -رضي الله عنهما- : " أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ ،
 فَقَالَتْ : يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ ،
 فَقَالَتْ لَهُ : ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا ،
 فَقَالَتْ لَهُ : آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا ،
 قَالَ : نَعَمْ ،
 قَالَتْ : إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا.
 ثُمَّ رَجَعَتْ ؛ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ :{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ حَتَّى بَلَغَ يَشْكُرُونَ } سورة إبراهيم آية 37 
  وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ ، قَالَ : يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ،
 قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَذَلِكَ 
سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا
 فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ : صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَهَا ، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا ،
 فَقَالَتْ : قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ
 فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ ، قَالَ : 
بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ ، قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ : لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا "
، قَالَ : فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا ،
 فَقَالَ لَهَا : الْمَلَكُ لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ؛ فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا ، فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا ،
 قَالَ : وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ ،
 فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ ،
 فَقَالَتْ : نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ ، 
قَالُوا : نَعَمْ ، 
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ" ؛ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ .
 فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ ،
 فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا . 
ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ،
 فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ فَشَكَتْ إِلَيْهِ ،
 قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ .
 فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا ،
 فَقَالَ : هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ ،
 قَالَتْ : نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ ،
 قَالَ : فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ ، 
قَالَتْ : نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ :غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ ، قَالَ : ذَاكِ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى.
 فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ،
 ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ ،
 فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ،
 قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ،
 فَقَالَتْ : نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ ،
 فَقَالَ : مَا طَعَامُكُمْ ،
 قَالَتْ : اللَّحْمُ ،
 قَالَ : فَمَا شَرَابُكُمْ ،
 قَالَتْ : الْمَاءُ ،
 قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ ، قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ "، قَالَ :" فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ" ، قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ .
 فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ،
 قَالَتْ : نَعَمْ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ ،
 قَالَ : فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ ،
 قَالَتْ : نَعَمْ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ ، قَالَ : ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
 ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ ،
 قَالَ : فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ ،
 قَالَ : وَتُعِينُنِي ،
 قَالَ : وَأُعِينُكَ ،
 قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا ، 
 قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا ، يَقُولَانِ :{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} سورة البقرة آية 127 ، قَالَ : فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }سورة البقرة آية 127 "
اخرجه البخاري في "صحيحه" {كتاب أحاديث الأنبياء} حديث رقم(3364) 
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في (فتح الباري) عند شرحه:
"قوله : ( أول ما اتخذ النساء المنطق ) بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط ، ووقع في رواية ابن جريج النطق بضم النون والطاء وهو جمع منطق ، وكان السبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل ، فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة ،..
قوله : ( إذن لا يضيعنا ) في رواية عطاء بن السائب " فقالت لن يضيعنا " وفي رواية ابن جريج " فقالت حسبي " وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير المذكورة بعد هذا الحديث في الباب " فقالت رضيت بالله " .  

قوله : ( ثم استقبلت الوادي ) في رواية عطاء بن السائب " والوادي يومئذ عميق " وفي حديث أبي جهم " تستغيث ربها وتدعوه " .

قوله : ( ثم سعت سعي الإنسان المجهود ) أي الذي أصابه الجهد وهو الأمر المشق .

قوله : ( سبع مرات ) في حديث أبي جهم وكان ذلك أول ما سعي بين الصفا والمروة وفي رواية إبراهيم بن نافع " أنها كانت في كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها " وقال في روايته : " فلم تقرها نفسها " وهو بضم أوله وكسر القاف ، ونفسها بالرفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت فرجعت ، وهذا في المرة الأخيرة .

قوله : ( فإذا هي بالملك ) في رواية إبراهيم بن نافع وابن جريج فإذا جبريل ، وفي حديث علي عند الطبري بإسناد حسن " فناداها جبريل فقال : من أنت ؟ قالت : أنا هاجر أم ولد إبراهيم ، قال : فإلى من وكلكما ؟ قالت : إلى الله . قال : وكلكما إلى كاف " .
قوله : ( لا تخافوا الضيعة ) بفتح المعجمة وسكون التحتانية أي الهلاك ، وفي حديث أبي جهم " لا تخافي أن ينفد الماء " وفي رواية علي بن الوازع عن أيوب عند الفاكهي " لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله " زاد في حديث أبي جهم " فقالت بشرك الله بخير " . 

قوله : ( وتعلم العربية منهم ) فيه: إشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا ، وفيه تضعيف لقول من روى أنه أول من تكلم بالعربية ، وقد وقع ذلك من حديث ابن عباس عند الحاكم في " المستدرك " بلفظ " أول من نطق بالعربية إسماعيل " وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال : " أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل " وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأولية المطلقة فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها ، ويشهد لهذا ما حكاه ابن هشام عن الشرقي بن قطامي " إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم " ويحتمل أن تكون الأولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم ، فإسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم ، وقال ابن دريد في " كتاب الوشاح " أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ، ثم إسماعيل . قلت : وهذا لا يوافق من قال إن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي الكلام فيه في أوائل السيرة النبوية .  

قوله : ( عتبة بابك ) بفتح المهملة والمثناة والموحدة كناية عن المرأة ، وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها وهو حفظ الباب وصون ما هو داخله وكونها محل الوطء . ويستفاد منه أن تغيير عتبة الباب يصح أن يكون من كنايات الطلاق كأن يقول مثلا غيرت عتبة بابي أو عتبة بابي مغيرة وينوي بذلك الطلاق فيقع ، أخبرت بذلك عن شيخنا الإمام البلقيني ، وتمامه التفريع على شرع من قبلنا إذ حكاه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره .



قوله : ( نحن بخير وسعة ) في حديث أبي جهم " نحن في خير عيش بحمد الله ، ونحن في لبن كثير ولحم كثير وماء طيب " .

قوله : ( ما طعامكم قالت اللحم ، قال : فما شرابكم قالت الماء ) في حديث
أبي جهم ذكر اللبن مع اللحم والماء .

قوله : ( اللهم بارك لهم في اللحم والماء ) في رواية
إبراهيم بن نافع "اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم" ، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:" بركة بدعوة إبراهيم" وفيه حذف تقديره في طعام أهل مكة وشرابهم بركة" .
انتهي باختصار

الخميس، 5 أبريل 2012

من أحسن القصص :قصة جريج الراهب وأمه... (فقه وفوائد)

عن أبى هريرة-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما تكلم مولود من الناس في مهد إلا عيسى بن مريم صلى الله عليه [وسلم] وصاحب جريج
قيل: يا نبي الله! وما صاحب جريج؟ 
قال: "فإن جريجا كان رجلاً راهباً في صومعة له، وكان راعي بقر يأوي إلى أسفل صومعته، وكانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي، فأتت أمه يوما ، فقالت: يا جريج! وهو يصلى،
 فقال في نفسه - وهو يصلي - أمي وصلاتي؟ فرأى أن يؤثر صلاته، 
ثم صرخت به الثانية،
 فقال في نفسه: أمي وصلاتى؟ فرأى أن يؤثر صلاته.
 ثم صرخت به الثالثة
 فقال: أمي وصلاتى. فرأى أن يؤثر صلاته.
 فلما لم يجبها قالت: لا أماتك الله يا جريج! حتى تنظر في وجه المومسات.(وفي رواية مسلم:فَجَاءَتْ أُمُّهُ ، قَالَ حُمَيْدٌ : فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا ، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ : أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي ، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي ،
 فَقَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ ، فَرَجَعَتْ ،
 ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ ، فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ : أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي ، 
قَالَ : اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي ، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ ،
 فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ ،
 قَالَ : وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ ثم انصرفت (وفي رواية مسلم : فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا ،
 فَقَالَتْ : إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ ،
 قَالَ : فَتَعَرَّضَتْ لَهُ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ فأُتَيَ الملك بتلك المرأة ولدت (1). فقال: ممن؟ قالت: من جريج. قال: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم.
 قال: اهدموا صومعته وأتوني به، 
فضربوا صومعته بالفئوس، حتى وقعت. فجعلوا يده إلى عنقه بحبل؛ ثم انطلق به، فمر به على المومسات، فرآهن فتبسم، وهن ينظرن إليه في الناس.
 فقال الملك: ما تزعم هذه؟ 
قال: ما تزعم؟
 قال: تزعم أن ولدها منك.
 قال: أنت تزعمين؟ قالت: نعم. 
 قال: أين هذا الصغير؟
 قالوا: هذا في حجرها، 
فأقبل عليه.(وفي رواية مسلم: فَقَالَ : دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ ، فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ ) فقال: من أبوك؟
 قال: راعي البقر. 
قال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟ 
قال: لا. 
قال: من فضة؟ 
قال: لا. 
قال: فما نجعلها؟
 قال: ردوها كما كانت.
 قال: فما الذي تبسمت؟ 
قال: أمراً عرفته، أدركتنى دعوة أمي، ثم أخبرهم".
رواه البخاري في"الصحيح" وفي "الأدب المفرد" ، ومسلم في "الصحيح" {كتاب البروالصلةوالآداب}في موضعين منه ،وترجم له الامام البخاري-رحمه الله- في "الأدب المفرد ": ( باب دعوة الوالدين) ، وترجم له النووي -رحمه الله - في "شرح مسلم " :(بَاب تَقْدِيمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّطَوُّعِ) ، وقال -رحمه الله-:
"وفي حديث جريج هذا فوائد كثيرة : منها عظم بر الوالدين ،
 وتأكد حق الأم ، وأن دعاءها مجاب ،
 وأنه إذا تعارضت الأمور بدئ بالأهم ، 
وأن الله تعالى يجعل لأوليائه مخارج عند ابتلائهم بالشدائد غالبا . قال الله تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وقد يجري عليهم الشدائد بعض الأوقات زيادة في أحوالهم ، وتهذيبا لهم ، فيكون لطفا . 
ومنها استحباب الوضوء للصلاة عند الدعاء بالمهمات ،
 ومنها أن الوضوء كان معروفا في شرع من قبلنا ، فقد ثبت في هذا الحديث في كتاب البخاري( فتوضأ وصلى )وقد حكى القاضي عن بعضهم أنه زعم اختصاصه بهذه الأمة .
 ومنها إثبات كرامات الأولياء ، وهو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة ".
وكان قد قال قبله:
" قال العلماء هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه إجابتها لأنه كان في صلاة نفل ، والاستمرار فيها تطوع لا واجب ، وإجابة الأم وبرها واجب ، وعقوقها حرام ، وكان يمكنه أن يخفف الصلاة ويجيبها ثم يعود لصلاته ، فلعله خشي أنها تدعوه إلى مفارقة صومعته ، والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها وحظوظها ، وتضعف عزمه فيما نواه وعاهد عليه ".

__________
(1) أي من الزنى .

فرق بين أماني و أماني...؟!

أبيات شعر كان أحد أخواننا يكثر من التمثل بها حتي قادنا ذلك الي حفظ بعضها ،وهي بحق بديعة النظم عذبة المعاني ؛ تتصل بالأماني ! ومن منا لاأماني له ولكنها أمان متباينة ،وأي بون أوسع ممن يتمني ظلا زائلا ، ومن يتمني نعيما باقيا ؛ووراء الأماني العمل قال تعالي : {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا}
فما هي الأماني التي اشتملت عليها تلك الأبيات ؟
انشد العلامة ابن حزم- رحمه الله -:


مناي من الدنيا     علوم  أبثهـا           وأنشرها في   كل  باد      وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي           تناسى رجال ذكرها في   المحاضر
وألزم أطراف الثغور مجاهدا          إذا هيعة ثارت    فأول         نافـر
لألقى حمامي مقبلا غير مدبر          بسمر العوالي والرقاق     البواتـر
كفاحا مع الكفار في حومة الوغى      وأكرم    موت  للفتى قتل    كافر
فيا رب لا تجعل حمامي بغيرها       ولا تجعلني من قطين         المقابر


نشرها:حسن بن حامد (أبومحمد السلفي) 

الأربعاء، 4 أبريل 2012

فضل انظار المعسر أو الوضع عنه ...وقصة طريفة مع صحابي

فعَنْ  عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ  ، قَالَ : "  خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا  أَبَا الْيَسَرِ  صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ ، وَعَلَى  أَبِي الْيَسَرِ  بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ ،
 فَقَالَ لَهُ أَبِي : يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ ؟ ، قَالَ : أَجَلْ كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ ، فَسَلَّمْتُ ، فَقُلْتُ : ثَمَّ هُوَ ، 
قَالُوا : لَا  ؛ فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ ،
 فَقُلْتُ لَهُ : أَيْنَ أَبُوكَ ؟ ،
 قَالَ : سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي ،
 فَقُلْتُ : اخْرُجْ إِلَيَّ فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ فَخَرَجَ ،
 فَقُلْتُ : مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي ؟ ،
 قَالَ : أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا ،
 قَالَ : قُلْتُ : آللَّهِ ،
 قَالَ : اللَّهِ ، 
قُلْتُ : آللَّهِ ، قَالَ : اللَّهِ ،
 قُلْتُ : آللَّهِ ، قَالَ : اللَّهِ ، 
قَالَ : فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ ، فَمَحَاهَا بِيَدِهِ ،
 فَقَالَ : إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً ، فَاقْضِنِي وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ ، فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا ، وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ :" مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ
 قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : أَنَا يَا عَمِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ،
 فَمَسَحَ رَأْسِي ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ ؛ يَا ابْنَ أَخِي بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ : "أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ
 وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ "  .
اخرجه مسلم في "صحيحه"{كتاب الزهد والرقائق}
وجاء في "شرح مسلم" للامام النووي -رحمه الله-:
"وأبو اليسر بفتح الياء المثناة تحت والسين المهملة ، واسمه كعب بن عمرو ، شهد العقبة وبدرا وهو ابن عشرين سنة ، وهو آخر من توفي من أهل بدر رضي الله عنهم ، توفي بالمدينة سنة خمس وخمسين.

قوله : ( وعلى أبي اليسر بردة ومعافري  ) البردة شملة مخططة ، وقيل : كساء مربع فيه صغر يلبسه الأعراب ، وجمعه البرد والمعافري بفتح الميم نوع من الثياب يعمل بقرية تسمى معافر ، وقيل : هي نسبة إلى قبيلة نزلت تلك القرية ، والميم فيه زائدة .

قوله : ( سفعة من غضب ) هي بفتح السين المهملة وضمها ، لغتان ، وبإسكان الفاء ، أي علامة وتغير .
قوله : ( كان لي على فلان بن فلان الحرامي ) قال القاضي : رواه الأكثرون ( الحرامي ) بفتح الحاء وبالراء نسبة إلى بني حرام ، ورواه الطبري وغيره بالزاي المعجمة مع كسر الحاء ، ورواه ابن ماهان ( الجذامي  ) بجيم مضمومة وذال معجمة .

قوله : ( ابن له جفر ) الجفر هو الذي قارب البلوغ ، وقيل : هو الذي قوي على الأكل ، وقيل : ابن خمس سنين .

قوله : ( دخل أريكة أمي ) قال ثعلب  : هي السرير الذي في الحجلة ، ولا يكون السرير المفرد .

 وقال الأزهري  : كل ما اتكأت عليه فهو أريكة ".انتهي باختصار

وفي الحديث من الفوائد: عظيم خلق صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،وزهدهم في الدينا ، وآيثارهم ما يبقي على ما ينفي ،ومسح رأس الصبي والدعاء له بالبركة ،وما  كان  عليه الصحابة رضي الله عنهم ، من امتثال أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وما كان عليه السلف الصالح من الحرص على طلب العلم، وأخذه من أهله.والله أعلم

حديث عظيم في فضل مجالس الذكر...(فقه وفوائد)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه- ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ ، قَالَ : فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ،
 قَالَ : فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي ؟ 
قَالُوا : يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ ، وَيُكَبِّرُونَكَ ، وَيَحْمَدُونَكَ ، وَيُمَجِّدُونَكَ ، قَالَ : فَيَقُولُ : هَلْ رَأَوْنِي ؟
 قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ ،
 قَالَ : فَيَقُولُ : وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي ؟ 
 قَالَ : يَقُولُونَ : لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً ، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا ، وَتَحْمِيدًا ، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا ،
 قَالَ : يَقُولُ : فَمَا يَسْأَلُونِي ؟
 قَالَ : يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ ،
 قَالَ : يَقُولُ : وَهَلْ رَأَوْهَا ؟
  قَالَ : يَقُولُونَ : لَا ، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا ،
 قَالَ : يَقُولُ : فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا ؟ 
قَالَ : يَقُولُونَ : لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا ، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا ، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً ، 
 قَالَ : فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ ؟ 
 قَالَ : يَقُولُونَ : مِنَ النَّارِ ،
 قَالَ : يَقُولُ : وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ 
قَالَ : يَقُولُونَ : لَا ، وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا ، 
قَالَ : يَقُولُ : فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ 
 قَالَ : يَقُولُونَ : لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا ، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً ، قَالَ : فَيَقُولُ : فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ،
 قَالَ : يَقُولُ : مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ : فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ ، 
 قَالَ : هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ "
رواه البخاري(كتاب الدعوات) باب فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-في "الفتح" عند شرحه:
" قوله: (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) زاد إسحاق وعثمان عن جرير " ويمجدونك " وكذا لابن أبي الدنيا وفي رواية أبي معاوية" فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك " وفي رواية الإسماعيلي " قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك إلخ " وفي رواية سهيل" جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك "وفي حديث أنس عند البزار "ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم" ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة حسب وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله - تعالى.
قوله: (لا يشقى جليسهم )كذا لأبي ذر ، ولغيره " لا يشقى بهم جليسهم " وللترمذي " لا يشقى لهم جليس " وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضي لكونهم أهل الكمال .. وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين فلو قيل لسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود ,
وفي الحديث: فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله - تعالى - به عليهم إكراما لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.
وفيه: محبة الملائكة بني آدم واعتناؤهم بهم ، 
وفيه :أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته وقيل إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } فكأنه قيل لهم :انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم في التسبيح والتقديس .
وقيل: إنه يؤخذ من هذا الحديث :أن الذكر الحاصل من بني آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك كله،
 وفيه: بيان كذب من ادعى من الزنادقة أنه يرى الله - تعالى - جهرا في دار الدنيا ، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رفعه( واعلموا أنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا ). 
وفيه :جواز القسم في الأمر المحقق تأكيدا له وتنويها به .
 وفيه :أن الذي اشتملت عليه الجنة من أنواع الخيرات والنار من أنواع المكروهات فوق ما وصفتا به وأن الرغبة والطلب من الله والمبالغة في ذلك من أسباب الحصول "

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

حديث عظيم فيه : من أسباب اجابة الدعاء وكشف الكروب... (فقه وفوائد)

فعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ ؛ فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ ،
 فَقَالَ : وَاحِدٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ ، وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ؛ فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا ، وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ ، 
فَقُلْتُ لَهُ : اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا ، 
فَقَالَ لِي : إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ ، 
فَقُلْتُ لَهُ : اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ فَسَاقَهَا؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا ؛ فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ ، 
فَقَالَ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ، فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً فَجِئْتُ ، وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الْجُوعِ ؛ فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا ، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ؛ 
فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا؛ فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ ،
 فَقَالَ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا ، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا ، 
فَقَالَتْ : اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ ؛ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ؛ 
فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا؛
 فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا " .رواه البخاري
وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-:
"وفي هذا الحديث: استحباب الدعاء في الكرب ، والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل ، واستنجاز وعده بسؤاله .
وفيه: فضل الإخلاص في العمل ، وفضل بر الوالدين وخدمتهما وإيثارهما على الولد والأهل ، وتحمل المشقة لأجلهما
وقد استشكل تركه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما مع قدرته على تسكين جوعهم ، 
فقيل : كان في شرعهم تقديم نفقة الأصل على غيرهم ، 
وقيل : يحتمل أن بكاءهم ليس عن الجوع ، وقد تقدم ما يرده . 
وقيل : لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سد الرمق وهذا أولى
وفيه: فضل العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة ، وأن ترك المعصية يمحو مقدمات طلبها ، وأن التوبة تجب ما قبلها .  
وفيه: جواز الإجارة بالطعام المعلوم بين المتآجرين ، وفضل أداء الأمانة ، وإثبات الكرامة للصالحين ...  
وفيه: الإخبار عما جرى للأمم الماضية ليعتبر السامعون بأعمالهم ؛ فيعمل بحسنها ويترك قبيحها ، والله أعلم ". باختصار

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...