الخميس، 28 مايو 2026

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حول أخطر قضية قد يواجهها العبد يوم القيامة، وهي "حقوق العباد"تحلل ممن ظلمته اليوم ! فالأمر شديد !

أخرج الإمام أحمد في (مسنده) رقم 1434 بسنده:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْـرِ، عَنِ الزُّبَيْـرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رضي الله عنه-، قَالَ:

لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }،

قَالَ الزُّبَيْرُ: أَي رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا (أي من الخصومة) مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟

قَالَ: " نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ ".

فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ.

[حكم الحديث: إسناده حسن].

تأملات في الآية

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-:

" ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ -وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وذِكْر الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ- فَإِنَّهَا شَامِلَةٌ لِكُلِّ مُتَنَازِعَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ تُعَادُ عَلَيْهِمُ الْخُصُومَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ".


خاتمة:
في الختام، نسأل الله أن يطهر قلوبنا وألسنتنا من ظلم العباد. تذكر أخي القارئ: الحقوق لا تضيع، واليوم عمل بلا حساب، وغداً حساب بلا عمل. شارك هذا التنبيه ليكون في ميزان حسناتك، فربما كلمة واحدة توقظ قلباً غافلاً.

الأحد، 16 نوفمبر 2025

  يا مُخرِج الإصباحِ من حلقِ الدجىٰ
*أنت البديع مُنوِر الأكوانِِ 
*اجعلهُ يومًا طيِبًا ومباركًا
*واحفظ علينا نعمة الإيمانِِ
*واكتب لنا فيه السلامة والرضا
*واشملهُ بالتوفيقِ والإحسانِِ 

الاثنين، 6 يناير 2025

من روائع التفسير:من أعجب قصص القرآن العظيم!

 قال الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-في《تفسيره》(٨/٤/٢٦٤)عند تفسير قوله تعالي:{ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِی۟هِۦ بِـَٔایَـٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوۡمࣰا مُّجۡرِمِینَ ۝٧٥ فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوۤا۟ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحۡرࣱ مُّبِینࣱ ۝٧٦ قَالَ مُوسَىٰۤ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَاۤءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَـٰذَا وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّـٰحِرُونَ ۝٧٧ قَالُوۤا۟ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِیَاۤءُ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِینَ ۝٧٨﴾ [يونس ٧٥-٧٨](/):

"وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ فِرْعَوْنَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْجَبِ الْقِصَصِ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ حَذر مِنْ مُوسَى كُلَّ الْحَذَرِ، فَسَخَّرَهُ الْقَدَرُ أَنْ رَبَّى هَذَا الَّذِي يُحذَّر مِنْهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَمَائِدَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، ثُمَّ تَرَعْرَعَ وَعَقَدَ اللَّهُ لَهُ سَبَبًا أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَرَزَقَهُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ وَالتَّكْلِيمَ، وَبَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَدْعُوَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَعْبُدَهُ وَيَرْجِعَ إليه، هذا مع مَا كَانَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ مِنْ عَظَمَةِ الْمَمْلَكَةِ وَالسُّلْطَانِ، فَجَاءَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ سِوَى أَخِيهِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَتَمَرَّدَ فِرْعَوْنُ وَاسْتَكْبَرَ وَأَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَالنَّفْسُ الْخَبِيثَةُ الْأَبِيَّةُ، وَقَوَّى رَأَسَهُ وَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ، وَادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَتَجَهْرَمَ عَلَى اللَّهِ، وَعَتَا وَبَغَى وَأَهَانَ حِزْبَ الْإِيمَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْفَظُ رَسُولَهُ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ، وَيَحُوطُهُمَا، بِعِنَايَتِهِ، وَيَحْرُسُهُمَا بِعَيْنِهِ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَلَمْ تَزَلِ الْمُحَاجَّةُ وَالْمُجَادَلَةُ وَالْآيَاتُ تَقُومُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، مِمَّا يُبْهِرُ الْعُقُولَ وَيُدْهِشُ الْأَلْبَابَ، مِمَّا لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا يَأْتِي بِهِ إِلَّا مَنْ هُوَ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا، وَصَمَّمَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤه -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ -عَلَى التَّكْذِيبِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَالْجَحَدِ وَالْعِنَادِ وَالْمُكَابَرَةِ، حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ بَأْسَهُ الَّذِي لَا يُرَد، وَأَغْرَقَهُمْ فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْمَعِينَ، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]" .
ما أروعه من تنبيه، وما أجلها من وقفة، وإرشاد ،وحض على تدبر  القرآن العظيم!،
والإعتبار بما فيه القصص؛ التى هي تنبيه لنا على  الأتعاظ بها! ، وأخذ العبرة منها!..

الجمعة، 16 فبراير 2024

 #إحذر الظلم ! وتحلل ممن ظلمته اليوم ! فالأمر شديد !

أخرج الإمام أحمد في( مسنده)رقم ١٤٣٤ : بسنده

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رضي الله عنه-، قَالَ :

 لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }،

 قَالَ الزُّبَيْرُ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا(أي من الخصومة) مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ ؟

 قَالَ : " نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ ". 

فَقَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ.

[حكم الحديث: إسناده حسن، ..].

قال الحافظ ابن كثير-رحمه الله-:

" ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ -وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وذِكْر الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ-فَإِنَّهَا شَامِلَةٌ لِكُلِّ مُتَنَازِعَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ تُعَادُ عَلَيْهِمُ الْخُصُومَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ".

السبت، 5 أغسطس 2023

من روائع المقالات (الثورات المشؤمة !)

 بسم الله الرحمن الرحيم 

ثورات ومليشيات 

منذ أن بدأت الثورات تجتاح البلاد العربية المسلمة

فيما سماه أعداء الإسلام والجهلة من المسلمين الذين اشتروا الباطل والأوهام ؛ بالربيع العربي وإنما كان دماراً عربياً

 والسلفيون يصرخون محذرين من هذه الثورات لمخالفتها للشرع ولمفاسدها الكثيرة ولم يستثنوا حتى الدول التي يرأسها مَنْ يعتقدون كفره وأرتداده ، قال العلامة مقبل الوادعي رحمه الله :

" ونحن لا ندعو إلى الثورات ولا الانقلابات فو الله ما نحب أن تقوم ثورة في العراق لأنها ستسفك دماء المسلمين ، ولا نحب أن تقوم ثورة في ليبيا لأن الدائرة ستكون على رءوس المساكين ، وكذلك لا نحب أن تقوم ثورة في سوريا لأن الدائرة ستكون على المسلمين ." 

هذه الثورات المُفسدة التي دمرت البلاد التي اشتعلت فيها ولم تقم لأكثرها بعدها قائمة حتى الآن بعد أن أُزهقت الأرواح وشُرّد الآلاف مع أن موت مسلمٍ واحد يُعدُّ مصيبة كبرى في ميزان الإسلام لا في ميزان أهل الضلال ومنهم بعض الحركيين الذين يرون أنه لا قيام لمُلكٍ إلا بأن تُراق الدماء وحيّهلا بها ! 

فميزان الإسلام في هذه المسألة يدل عليه ما ورد عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه؛ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

"لزَوالُ الدنيا؛ أهْوَنُ على الله مِنْ قتلِ مؤمنٍ بغيرِ حقٍّ".

رواه ابن ماجه بإسناد حسن، ورواه البيهقي والأصبهاني، وزاد فيه:

"ولوْ أَنَّ أهلَ سماواتِه وأهلَ أرضهِ اشْتَركوا في دَمِ مؤْمِنٍ؛ لأدْخَلَهُم الله النارَ".

[صحيح لغيره] وفي رواية للبيهقي:

قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

"لَزوالُ الدنيا جميعاً؛ أهْوَنُ على الله من دمٍ يُسفَكُ بغيرِ حَقٍّ".

ولم تلبث هذه الثورات الْمُفْسِدَة أن نزلت ببلدنا السودان فصاح أهل السنة محذرين منها مبينين مخالفتها للشرع كاشفين عن الشرور التي ستُنتجها وتولّدها لأنهم ينظرون بعين الشرع والدين والعقل لا العاطفة والعجلة والحماسة وقد قال ابو العباس ابن تيمية رحمه الله :

" وَلَعَلَّهُ لَا يَكَادُ يُعْرِفُ طَائِفَةٌ خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ، إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ  أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ. "

ولم يمنعهم مخالفتهم للحركة الإسلامية المنحرفة وتنظيم الكيزان المبتدع الفاشل من أن يجهروا بالتحذير من الثورة في السودان وهم يُبصرون أيدي أهل الشر في الداخل والخارج تلعب بالدُمى والعرائس لتعبث بأمن البلاد ومقدراتها وما بقى لها من دين مع ما جرته تجارب الثورات على البلاد من كوارث والسعيد مَنْ وُعِظَ بغيره! 

وإن كان قد ضعُف بعض الدعاة ظناً منه أن هذا قد يكون دفاعا وانحيازاً ولو ظاهرياً للمؤتمر الوطني إلا أن الكثرة الكاثرة من الدعاة السلفيين كانت تُبدي وتُعيد في النهى عن هذه الثورة والتحذير منها لا حباً في نظام ولا عمالةً لأهل إجرام

بل نصرةً للحق وشفقةً على الخلق فقد كنا نخاف على بلدنا ونشفق على أهلنا ونعرف من كلام علماءنا مآلات ونتائج هذه الثورات إذ الأمر كما قال الحسن البصري : 

«الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل».

ولقد لقي إخواننا ما لقوا من تهجم البعيد والقريب حتى أن منهم مَن اُعتُدي عليه في تناقضٍ صارخٍ مع شعاراتِ مُوقدي الثورات وحَطَبِها من أبناءنا من مثل دعواهم أنهم ديمقراطيون! لا يضيقون بمَنْ يُخالفهم الرأي 

فمالهم ضاقوا بنا حتى أرادوا البطش ببعض إخواننا كما اراده بعضهم بأخينا أبي الفداء لما مرّ برجليه بساحة الإعتصام ليعبر كبري الحديد لتوقف المواصلات بسبب إعتصامهم فتحرش به بعضهم 

ولكنّ الله بفضله سلمه منهم في إرهابٍ ظالمٍ يُمارسه الإبن العاق على الوالد المشفق ! 

  أُريدُ حَياتَهُ وَيُريد موتي             عَذِيرَكَ من خليلِكَ من مُرادِ

وهو إرهاب بدني أحياناً لا سيما من قِوى اليسار الكافر ومَنْ يتلاعبون به من السُذج والمتحمسين وإرهاب فكري مستمر فكل مَنْ خالفهم ولم يرض بتوجههم وثورتهم فهو كوز وهو منتفع و  و  و

وهو ما نسمعه اليوم من مليشيا حميدتي الإرهابية ! 

فكل مَنْ خالفهم وناصر الجيش فهو من الكيزان والفلول! 

( وقد ظهر أن الفرق بين الكيزان وبين قحط بني علمان كالفرق بين السماء والأرض ، بل إن كثيراً من الناس صاروا يتحسرون على عهد النظام السابق ويتمنون عودته! مصداق ما قال الْحَسَنُ البصري  :

 «مَا لِيَ لَا أَرَى زَمَانًا إِلَّا بَكَيْتُ مِنْهُ، فَإِذَا ذَهَبَ بَكَيْتُ عَلَيْهِ؟»

وأنشد بعضهم  :

       رُبَّ يَومٍ بَكَيتُ مِنهُ فَلَّما

                           صِرتُ في غَيرِهِ بَكَيتُ عَلَيهِ! ) 

ومنذ تلك الثورة وبلادنا المنهارة وأهلنا المرهقون المتعبون 

يزدادون انهياراً وإرهاقاً وتعباً ومعاناةً وألماً

لقد تعطلت مصالح أكثرنا بسبب المظاهرات والمليونيات والإضرابات والمواجهات ! 

يا أبناءنا لقد أرهقتمونا ونحن لا ناقة لنا ولا جمل في صراعاتكم ولا ذنب ولا جناية صدرت منا حتى نُجازى منكم بذلك

لا أُحصي المرات التي تركتُ فيها الخروج لمصالحي الدينية والدنيوية بسبب المليونيات وما جرى مجراها وهناك مَنْ هو أعظم تضرراً منا كالمرضى الذين تقطعت بهم السبل بسبب تلك المليونيات والإضرابات ( وأقبحها إضراب الأطباء) 

وكلُ واحد منا حصل له ضرر كبير بسببها وحركْ تره! 

وهكذا تتقاذف المصائب والآلام أهلنا

وإنا لله وإنا إليه راجعون 

وحسبنا الله ونعم الوكيل 

حتى انتهينا إلى هذه الحرب الظالمة التي أوقدتها المليشيا الإرهابية وأعوانها السياسيون من وراء وراء ولها صلة بتلك الثورات وما انتجته وأدت إليه فوقع ما كنا نخافه

قد كان ما قد خفت أن يكونا            إنا إلى الله راجعونا

والذي كنا نخافه أن يعمَّ الخوف وأن يذهب الأمن 

وما أعظم البلاء بوقوع الحرب التي تسببت بعدوان المليشيا الإرهابية في القتل والاغتصاب والأَسْرِ والنهب والتشريد والدمار والظلام

وحسبنا الله ونعم الوكيل 

والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل

اللهم ولِ علينا خيارنا ووفقنا للرجوع إليك والتوبة والخضوع بين يديك وعجّل لنا بالنصر والفرج والأمن واكسر شوكة المليشيا المعتدية ومزقها كل ممزق وشتت شمل قحط واخزهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر

ولا حول ولا قوة الا بالله 

كتبه أبو محمد حسن بن حامد عفا الله عنه 

شهر الله المحرّم ١٤٤٥ هـ

الجمعة، 16 سبتمبر 2022

درر من روائع التفسير...إحذر ..الأمن من مكر الله عز وجل

 درر من روائع التفسير..

إنتبه واحذرولا تغتر!

قوله تعالي:{أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ (99)}الأعراف

{مكر الله}:أي: استدراجه وأخذه للعبد من حيث لا يشعر .

قال العلامة السعدي-رحمه الله-: "وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان. بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: ﴿يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ْ﴾ وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة".

الجمعة، 5 أغسطس 2022

دررمن روائع التفسير:تنبيه لطيف على كيفية تدبر كلام الرحمن جلا وعلا

قال العلامة السعدي -رحمه الله-في تفسيره البديع <تيسيرالكريم الرحمن>:

" وتضمن ما شرحه الله وفصله من دعائهم بعد قوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾غافر:7 التنبيه اللطيف على كيفية تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ،؛ فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه ، وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ.

والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران:

أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه.

والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه.

وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا، فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له ، وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا من به الله علينا.

وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير المتأمل صحيح الفكرة، ونسأله تعالى أن يفتح علينا من خزائن رحمته ما يكون سببًا لصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين، فليس لنا إلا التعلق بكرمه، والتوسل بإحسانه، الذي لا نزال نتقلب فيه في كل الآنات، وفي جميع اللحظات، ونسأله من فضله، أن يقينا شر أنفسنا المانع والمعوق لوصول رحمته، إنه الكريم الوهاب، الذي تفضل بالأسباب ومسبباتها".

الاثنين، 1 أغسطس 2022

من نفائس الفصول في بيان إعجاز كلام الرحمن

 " في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز

من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبه على فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيماء ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام ؛ 

فمن ذلك قوله عزّ ذكره:<إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا>: استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلها في الائتمار والانزجار. وذلك لو أن إنساناً أطاع الله سبحانه مائة سنة ثم سرق حبة واحدة لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة، 

ومن ذلك قوله عز وجل: <لا خوف عليهم ولا هم يحزنون>: فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم ، وزوال كل مكروه عنهم ، ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف ؛ لأن الحزن يتولد من مكروه ماض أو حاضر ، والخوف يتولد من مكروه مستقبل؛ فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرم بحياته ، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس ، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها ؛ فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبلية. والسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنية.

 ومن ذلك قوله عز اسمه: <ولهم الأمن وهم مهتدون>: فالأمن كلمة واحدة تنبئ عن خلوص سرورهم من الشوائب كلها ؛ لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف والحزن ؛ المكروه الأعظم كما تقدم ذكره. فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف عنهم وارتفع بارتفاعه المكروه وحصل السرور المحبوب

ومن ذلك قوله تعالى ذكره <أوفو بالعقود>: فهما كلمتان جمعتا ما عقده الله على خلقه لنفسه وتعاقده الناس فيما بينهم ومن ذلك قوله سبحانه: <فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين>: فلم يبق مقترح لأحد إلا وقد تضمنته هاتان الكلمتان مع ما فيهما من القرب وشرف اللفظ وحسن الرونق.

ومن ذلك قوله عز وجل: <والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس>: فهذه الكلمات الثلاث الأخيرة تجمع من أصناف التجارات وأنواع المرافق في ركوب السفن ما لا يبلغه الإحصاء .

ومن ذلك قوله جل جلاله: <فاصدع بما تؤمر>: ثلاث كلمات اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها .

ومن ذلك قوله جل ثناؤه في وصف خمر الجنة: <لا يصدعون عنها ولا ينزفون>: فهاتان الكلمتان قد أتتا على جميع معايب الخمر ، ولما كان منها ذهاب العقل وحدوث الصداع برأ الله خمر الجنة منها وأثبت طيب النفوس وقوة الطبع وحصول الفرح

ومن ذلك قوله تبارك اسمه: <لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم>: وهو كلام يجمع جميع ما يأكله الناس مما تنبته الأرض

ومن ذلك قوله عز وعلا: <ولهنّ مثل الذي عليهن>: وهو كلام يتضمن جميع ما يجب على الرجال من حسن معاشرة النساء وصيانتهن وإزاحة عللهن وبلوغ كل مبلغ فيما يؤدي إلى مصالحهن ومناجحهن وجميع ما يجب على النساء من طاعة الأزواج وحسن مشاركتهم وطلب مرضاتهم وحفظ غيبتهم وصيانتهم عن خيانتهم .

ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: <ولكم في القصاص حياة>: ويحكي عن أزدشير الملك ما ترجمه بعض البلغاء فقال: القتل أنفى للقتل!: ففي كلام الله تعالى كل ما في كلام أزدشير الملك وفيه زيادة معان حسنه:

فمنها إبانة العدل بذكر القصاص ، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة ، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله تعالى به ، والجمع بين ذكر القصاص والحياة ، والبعد عن التكرير الذي يشق على النفس؛ فإن قوله القتل أنفى للقتل تكرير. غيره أبلغ منه

ومن ذلك قوله عز ذكره في إخوة يوسف: <فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا>: وهذه صفة اعتزالهم لجميع الناس وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه وما يوردون عليه من ذكر الحادث؛ فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة

ومن ذلك قوله جلت عظمته: <وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء>: فلو أراد أحد الأعيان الإعلام في البلاغة أن يعبر عنه لم يستطع أن يأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي يتضمنها حتى يبس مجموعها ويصل مقطوعها ويظهر مستوردها؛ فيقول: إن كان بينكم وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة أو نقضاً ؛ فاعلمهم أنك نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب ؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.".

من كتاب(الإعجاز والإيجاز) للثعالبي -رحمه الله -.


الأحد، 29 مايو 2022

إحذر الظلم

إحذر الظلم ! وتحلل ممن ظلمته اليوم ! فالأمر شديد !

أخرج الإمام أحمد في( مسنده)رقم ١٤٣٤ : بسنده

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رضي الله عنه-، قَالَ :

 لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }،

 قَالَ الزُّبَيْرُ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا(أي من الخصومة) مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ ؟

 قَالَ : " نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ ". 

فَقَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ.

[حكم الحديث: إسناده حسن، ..].

قال الحافظ ابن كثير-رحمه الله-:

" ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ -وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وذِكْر الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ-فَإِنَّهَا شَامِلَةٌ لِكُلِّ مُتَنَازِعَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ تُعَادُ عَلَيْهِمُ الْخُصُومَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ".

درر من روائع التفسير

 #درر_من_روائع_التفسير

#فرق بين حال أولياء الرحمن عند سماع الذكر و القرآن وبين حال من ادعى الوصول !

#قس و قارن وتأمل !

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في *تفسيره* عند كلامه عن حال الصحابة -رضى الله عنهم- عند سماع القران:

" كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ تِلَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ مَعَ قُلُوبِهِمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. لَمْ يَكُونُوا يتصارخُون وَلَا يَتَكَلَّفُونَ مَا لَيْسَ فِيهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ وَالسُّكُونِ وَالْأَدَبِ وَالْخَشْيَةِ مَا لَا يَلْحَقُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا فَازُوا بالقِدح المُعَلّى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَر قَالَ: تَلَا قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

قَالَ: هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهُمْ، وَتَبْكِيَ أَعْيُنُهُمْ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْعَتْهُمْ بِذَهَابِ عُقُولِهِمْ وَالْغَشَيَانِ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا هَذَا فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ.".

(تفسير ابن كثير)تفسير سورة الزمر

الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

من روائع المدونات:

"مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صلّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في أواخر سُورَةِ آلِ عِمْرَان

بسم الله الرّحمن الرّحيم....

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين...

أمّا بعد:

فكم من مسلم يتلو سورة (آل عمران) حتّى يختمها؛ ولكن؛ مَنْ منّا وقف على (هدْيه) عليه الصّلاة والسّلام في الآيات الأخيرة منها؟

لأجل ذلك؛ فدونكم نقاط مختصرة؛ سطّرْتُها على نور الأدّلة؛ سائلة الله عزّ وجلّ أن يوفّقنا لاتّباعه صلّى الله عليه وسلّم.

 

• تلاوته صلّى الله عليه وسلّم للآيات العشر الأخيرة قبيل (قيامه اللّيل):

عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُمَا ـ؛ قَالَ:

(بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ؛ فَقُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِسَادَةٌ؛ فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا؛ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِه،ِ ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ؛ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى سِقَاءً مُعَلَّقًا؛ فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَع،َ ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي؛ فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا[1]، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ).[2]

وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه؛ قَالَ:

(بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ؛ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الْآيَاتِ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}

حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ، أَوْ خَتَمَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ؛ فَأَتَى مُصَلاّهُ؛ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ،

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ؛ فَنَامَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ؛ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ،

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ؛ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ،

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ؛ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْل ذَلِكَ؛

كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ).

قَالَ أَبُو دَاوُد: "رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ؛ قَالَ: فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ".[3]

 

• تلاوته صلّى الله عليه وسلّم للآيات الكريمة وهو يتوضّأ:

وعنه رضي اللهُ عنه؛ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَاسْتَيْقَظَ؛ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ؛ وَهُوَ يَقُولُ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ}

فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ؛ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ؛ كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ! ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ؛ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ؛ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ:

اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللهمَّ أَعْطِنِي نُورًا). [4]

 

• نظرُه عليه الصّلاة والسّلام إلى (السّماء) عند تلاوتها:

وأيضًا؛ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا؛ قَالَ:

(بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ؛ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ؛ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ؛ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ؛ فَقَالَ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}

ثُمَّ قَامَ؛ فَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ؛ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ).[5] 

 

• تكراره عليه الصّلاة والسّلام للآيات الأولى منها:

وعَنهُ رضيّ اللهُ عنهُ؛ أَنَّهُ:

(بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ؛ فَقَامَ نَبِيُّ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ فِي (آلِ عِمْرَانَ):

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}

حَتَّى بَلَغَ: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ؛ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ؛ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى). [6]

  .توعّده صلّى الله عليه وسلّم لمن قرأ (إنّ في خلق)  -الآية - ولم  يتفكّر بها:

عنْ عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ قَالَ لعَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهُا:

أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِيهِ مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

قَالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِيِ؛ قَالَ:

يَا عَائِشَةُ! ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي .

قُلْت: وَالله إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّك!

قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي،

قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ،

قَالَتْ: وَكَانَ جَالِسًا فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ،

قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأرْضَ!

فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ؛ فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي؛ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ الله لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟!

قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!

{إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآيَةَ كُلَّهَا".[7]

 ـ وقد جاء في "شرح النّووي على مسلم":

"وفيه : استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النّوم". ا.هـ

وفي موضع آخر:

"وقوله: (فخرج فنظر إلى السّماء، ثمّ تلا هذه الآية في آل عمران {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآيات... فيه:

ـ أنّه يُستحبّ قراءتها عند الاستيقاظ في اللّيل مع (النّظر إلى السّماء) لما في ذلك من عظيم التّدبّر!

ـ وإذا تكرّر نومه، واستيقاظه، وخروجه، استُحِبّ تكريرُه قراءة هذه الآيات؛ كما ذكر في الحديث. والله سبحانه وتعالى أعلم". ا.هـ

 

 

ـ وفي "المنتقى شرح الموطّأ":

"وقوله: (ثمّ قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران)؛ يعني:

من قوله: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى آخر السورة.

ويحتمل: أن يفعل ذلك ليبتدئ يقظته بذكر الله، ويختمها بذكر الله عند نومه.

ويحتمل: أن يفعل ذلك لذكر الله تعالى، وليذكر ما ندب إليه من العبادة، وما وعد على ذلك من الثّواب، وتوعّد على معصيته من العقاب؛ فإن هذه (الآيات) جامعة لكثير من ذلك؛ ليكون ذلك تنشيطًا له على العبادة."! ا.هـ

 

ـ وقد قال الطّبريّ ـ رحمه الله ـ في تفسيره:

"فختم تعالى هذه السّورة بالأمر بالنّظر والاستدلال في آياته؛ إذ لا تصدر إلا عن حيّ قيّوم قدير قدّوس سلام غنيّ عن العالمين، حتّى يكون إيمانهم مستندًا إلى (اليقين) لا إلى (التّقليد)"!... إلى أن قال ـ رحمه الله ـ وهنا الشّاهد ـ:

"قال العلماء: يُستحبّ لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات؛ (اقتداء) بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثبت ذلك في "الصّحيحين" وغيرهما وسيأتي، ثم يصلّي ما كتب له، فيجمع بين (التّفكّر) و(العمل)؛ وهو (أفضل العمل)"! ا.هـ

 

نسأله تعالى أن يوفّقنا لاتّباع سنّته عليه الصّلاة والسّلام حقّ الاتّباع.

وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

                      

 [1] ـ  "جاء في عون المعبود": "إِنَّمَا فَتَلَهَا تَنْبِيهًا مِنْ النُّعَاس لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة لِمُسْلِمٍ: (فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذ بِشَحْمَةِ أُذُنِي). ا.هـ، وفي "المنتقى شرح الموطّأ": " وَقَوْلُهُ: (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَهُ إيقَاظًا لَهُ...". ا.هـ.

هذا وقد كان ابن عبّاس رضي الله عنه صغيرًا في السّنّ؛ لم يجاوز الحلُم بعد، ومع ذلك وصف ذلك الوصفَ الدّقيق الوارد في الحديث! فرضي الله عنه، وعنِ الصّحابة أجمعين.

[2] ـ صحيح البخاري/كتاب التّفسير/ باب {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية: 191، رقم الحديث: (4570).

[3] ـ رواه أبو داود في/ كتاب الطّهارة/ باب السّواك لمن قام اللّيل، وصحّحه الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ انظر: "سنن أبي داود"؛ رقم الحديث: (58).

[4] ـ صحيح مسلم/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ باب الدُّعَاءِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ وَقِيَامِهِ؛ رقم الحديث: (191).

[5] ـ صحيح البخاري/ كتاب تفسير القرآن/ باب بَاب قَوْلِهِ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأََلْبَابِ} الآية: 190؛ رقم الحديث: (4569).

[6] ـ صحيح مسلم/ كتاب الطّهارة/ باب السِّوَاك؛ رقم الحديث: (256).

[7] ـ  رواه ابن حبان في "صحيحه" وغيره، وصحّحه الوالد ـ رحمه الله ـ انظر:  "صحيح التّرغيب والتّرهيب"؛ رقم الحديث: (1468)."

(مدوّنة: الأمر العتيق)

الاثنين، 9 نوفمبر 2020

#من روائع المدونات.. "أدَبٌ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُورَةِ (الرَّحمَن) أخَلَّ بِهِ جَمَاهِيرُ المُسْتَمِعِينَ والقُرَّاء"..

بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ:

• فعُنْوانُ الموضوعِ اقْتَبَسْتُهُ منْ كلامِ والدِي -رحمةُ اللهِ عليهِ- في: " سلسلة الأحاديث الصّحيحة"، (5/ 2-3)، حيثُ قالَ:

"..وقد تميَّزَ هذا المجلَّدُ بأمورٍ؛ منها: كثرةُ الأحاديثِ الواردةِ في شمائِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهَدْيهِ،... ومنْ ذَلكَ: أدَبُ القَولِ إذَا قَرَأَ القَارِىءُ: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، (2150)؛ مِمَّا أخَلَّ بِهِ جَماهِيرُ الـمُسْتَمِعينَ والقُرَّاء!" اهـ‍ مُختَصَرًا.


• ويقصِدُ والدِي ما ورَدَ في الحديثِ -الَّذِي حسَّنَهُ بمَجْمُوعِ طَريقَيْهِ-، في "سلسلته الصّحيحة"، رقم (2150):

عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابه

فَقَرَأَ عَلَيْهِم سُورَةَ (الرَّحْمَنِ)، مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا!

فَقَالَ: ((لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ!

كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ على قَوْلهِ: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؛ قَالُوا:

"لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ"))!


• فوائدُ لها تعلُّقٌ، من كلَامِ أهلِ العلمِ، رحمَهُمُ اللهِ جميعًا:

1- " ..وذُكِرَتْ آيةُ {فَبِأَيِّ آَلَاءِ}، إِحْدَى وثَلَاثينَ مرَّةً، والِاسْتِفْهامُ فيها لِلتَّقْرير.." اهـ‍

["إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري"، (7/ 370)].


2- "وأمَّا تكْرارُ {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}، فإنَّهُ:

- عدَّدَ -في هذهِ السُّورةِ- نَعْماءَهُ!

- وأَذْكَرَ عِبادَهُ: (آلَاءَهُ)!

- ونبَّهَهُمْ على: (قُدْرَتِهِ، ولُطْفِهِ بِخَلْقِهِ)!

- ثُمَّ أتْبَعَ ذِكْرَ كُلَّ خُلَّةٍ وصَفَها، بهذهِ الآيةِ!

- وجعلَها فاصلةً بينَ كُلِّ نعمتَينِ!

ليُفَهِّمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهُمْ بها!

وهذَا كَقولِكَ للرَّجُلِ أجَل، أحسنتَ إليهِ دهركَ وتابعتَ عنْدَهُ الأَيادي، وهوَ في ذلكَ يُنْكِرُك ويَكْفُرَك-: "ألمْ أُبَوِّئْكَ مَنْزلًا وأنْتَ طَريدٌ؟ أفَتُنْكِرُ هَذا؟

و: ألَمْ أحْمِلْكَ وأنْتَ راجِلٌ؟

ألَمْ أحُجَّ بكَ وأنْتَ صَرُورَةٌ؟ أَفَتُنْكِرُ هَذا؟" اهـ‍

["تأويل مشكل القرآن"، لابن قُتيبةَ، (ص: 239-240)].


3- "...والتَّكريرُ حَسنٌ في مثلِ هَذا.

قالَ الشَّاعر: [مشطور الرجز]

4631 - كَمْ نِعْمَةٍ كَانَتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ! ...

وقالَ الشَّاعر -رَحِمَهُ اللَّهُ-: [البسيط]

4632 - لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إن كُنْتِ مُسْلمَةً ... إيَّاكِ من دمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ

وقالَ آخرُ: [المنسرح]

4633 - لَا تَقْطَعَنَّ الصَّديقَ ما طَرَفَتْ ... عَيْنَاكَ من قَوْلِ كَاشحٍ أشِرِ

             ولَا تَمَلَّنَّ مِنْ زيَارتِهِ ... زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ!

وقالَ الحُسينُ بْنُ الفضْلِ: التَّكريرُ طردٌ للْغَفْلَةِ، وتأكيدٌ لِلْحُجَّة!

قالَ شهابُ الدِّينِ: والتَّكريرُ -هَهُنا- كما تقدَّمَ في قولِهِ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ} [القمر: 17]، وكقَولِهِ فيما سَيأْتِي: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 45].

وذهبَ جَماعةٌ -منهمُ: ابنُ قُتيبةَ: إلى أنَّ (التَّكريرَ)؛ لِاخْتِلَافِ النِّعَمِ، فلِذلكَ كرَّرَ؛ للتَّوقيفِ معَ كُلِّ واحدَةٍ!" اهـ‍

["اللُّباب في علوم الكتاب"، (18/ 312)].


4- "..فَالتَّكْرِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْرِيرِ، وَاتِّخَاذِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا وَقَفَهُمْ عَلَى خَلْقٍ، خَلْقٍ!" اهـ‍

["تفسير القرطبيّ"، (17/ 159)].


5- "..وَكَرَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ؛ تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ وَتَأْكِيدًا فِي التَّذْكِيرِ بِهَا، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِبْلَاغِ وَالْإِشْبَاعِ.." اهـ‍

["تفسير البغويّ"، (4/ 332)].


6- "وَقَوْلُهُ: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؛ أَيْ: فَبِأَيِّ الْآلَاءِ  -يَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ- تُكَذِّبَانِ؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَعْدَهُ، أَيِ: النِّعَمُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِهَا، لَا تَسْتَطِيعُونَ إِنْكَارَهَا وَلَا جُحُودَهَا!

فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ: "اللَّهُمَّ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نكذِّب، فَلَكَ الْحَمْدُ".

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "لَا بأيِّها يَا رَبِّ!"؛ أَيْ: لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا" اهـ‍

["تفسير ابن كثير"، (7/ 491)].


7- "..وَالْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَنُعُوتِهِ، وَمَعَانِي أَسْمَائِهِ؛ فَهِيَ آلَاءُ آيَاتٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ آلَائِهِ؛ فَهُوَ مِنْ آيَاتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ آيَاتِهِ؛ فَهُوَ مِنْ آلَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيفَ وَالْهِدَايَةَ وَالدَّلَالَةَ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَقُدْرَتُهُ وَحِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ وَدِينُهُ. وَالْهُدَى: أَفْضَلُ النِّعَمِ!.." اهـ‍

["مجموع فتاوى ابن تيمية"، (8/ 31)].


8- "هذِهِ السُّورَةُ الكريمةُ الجَليلةُ، افْتَتَحَها باسْمِهِ: (الرَّحْمَنُ)؛ الدَّالِّ على سِعَةِ رحمتِهِ، وعمُومِ إحْسَانِهِ، وجزيلِ بِرِّهِ، وواسِعِ فضْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يدُلُّ على رحْمَتِهِ وأثَرِها الَّذي أوْصَلَهُ اللهُ إلى عِبادِهِ منَ النِّعَمِ الدِّينيَّةِ والدُّنيَويَّةِ [والأُخْرَويَّةِ، وبعدَ كُلِّ جنْسٍ ونَوعٍ مِنْ نِعَمِهِ؛ يُنَبِّهُ الثِّقَلَينِ لِشُكْرِهِ، ويَقُولُ: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}]" اهـ‍

[تفسير السعديّ:  "تيسير الكريم الرّحمن"، (ص: 828)].


9- "الحكمةُ من تشَابُهِ الآياتِ في (القُرآنِ الكريمِ) منْ ناحيةِ (اللَّفظِ) هو: تكرارُ ما تفيدُ هذِهِ الآياتِ منَ المعاني على النُّفُوسِ، منْ أجْلِ أنْ يهتمَّ بها الإنْسَانُ! ولهذَا تجدُ بعضَ السُّورِ تتَكرَّرُ فيها الآيةُ الواحدةُ عدَّةَ مرَّاتٍ، مثلاً:

في سُورةِ (الرَّحْمن)، كُرِّر قولُهُ تَعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرَّحْمن:13] عدَّةَ مرَّاتٍ، أكثرَ منْ ثلاثِينَ مَرَّةً، وفي سُورةِ (المرْسَلَاتِ) كُرِّر قولُهُ تَعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات:15]، وذلكَ منْ أجْلِ الِاهْتِمامِ والعنايةِ بهذَا الأمْرِ!" اهـ‍

["لقاء الباب المفتوح"، للعثيمين، (42/ 18)].

واللهُ تعالى أعلَم.

سُبحانَكَ لَا عِلْمَ لنا إلَّا ما علَّمْتنا إنَّكَ أنتَ العليمُ الحكيم.

وصلِّ اللَّهُمَّ على محمَّدٍ وعلى آلِهِ وسلِّمْ.

كتبَتْهُ: حسَّانة"..

(مدوّنة الأمرالعتيق)

السبت، 8 أغسطس 2020

‫#‏من‬ التعوذات النبوية...وشرحها...

‫#‏من‬ التعوذات النبوية...وشرحها...
 فعن أبى هريرة-رضى الله عنه-قال :"كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
اللهم إني أعوذ بك من جارالسوء ،
ومن زوج تشيبني قبل المشيب ،
ومن ولد يكون علي ربّا ،

ومن مال يكون علّي عذابا ،
ومن خليل ماكر عينه تراني ، وقلبه يرعاني ؛ إن رأى حسنة دفنها ، وإذا رأى سيئة أذاعها
".

(الصحيحة)٣١٣٧
من شرح الحديث..

"الشرح 

هذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من خمسة مجاورين من الصفات الذميمة التي لا ينفك عنها العبد في عيشه في هذه الدار.

فأولها: ((جار السوء)):.....
وقوله: ((ومن زوج تُشِّيبني قبل المشيب)): ((وهي المرأة السوء, وهي التي تراها فتسوؤك لقبح ذاتها, أو أفعالها, وتحمل لسانها عليك بالبذاءة, وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك))(1).
فينشأ بسببها الشيب قبل وقته، بسبب ما يحصل من الهم، والغم، وكدر العيش.
قوله: ((ومن ولد يكون عليَّ ربَّاً)): أي أستعيذ بك أن ترزقني ولداً يكون عليَّ مالكاً، لعقوقه وعدم برّه, وتسلّطه عليَّ كأنه هو المالك السيد، وأنا العبد المملوك عنده.
قوله: ((ومن مال يكون عليَّ عذاباً)): ومن مال يكون سبباً لعذابي وخسارتي, لحرصي على جمعه من غير حِلِّه, وهذا المال الحرام الذي تفقد بركته وخيره في معاش العبد، ويورد شرّ الموارد في الآخرة, وتضمّنت هذه الاستعاذة والتي قبلها وبعدها أضداد هذه الشرور في سؤال اللَّه تعالى الرزق من الزوجة الصالحة, والولد الصالح, والمال الحلال في الكسب والإنفاق, وكذلك مصاحبة الصالحين الذين يعينون العبد في دينه ودنياه وآخرته.
قوله: ((ومن خليل ماكر)): أي أعوذ بك من صديق يظهر المحبة, والخلّة والودّ, وهو في باطن الأمر محتال مخادع.
قوله: ((عينه تراني)): أي ينظر إليَّ نظر الخليل لخليله خداعاً، ومداهنة، ومكراً.
قوله: ((وقلبه يرعاني)): أي قلبه يراعي إيذائي، وهو لي بالمرصاد، يتربص بي الشرّ والسوء.
قوله: ((إن رأى حسنة دفنها)): أي إذا علم مني بفعل حسنةً فعلتها.
((دفنها)): سترها، وغطّاها، وكتمها، ولم ينشرها.
قوله: ((وإذا رأى سيئة أذاعها)): أي إذا علم مني بفعل سيئة زللت بها, نشرها، وأظهرها خبراً بين الناس(2), فهذا والعياذ باللَّه ليس بخليل ولا صديق, إنما [هو] عدوّ غشوم, ظلوم, وحاله هذه: حال المنافقين التي بيّنها اللَّه تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}.

(1]) بداية المبتدئ و هداية السالك، ص 214 .
([2]) انظر: فيض القدير، 2 / 145، وبداية المبتدئ وهداية السالك، ص 215 بتصرف".

تم النقل من موقع (الكلم الطيب)

الاثنين، 6 يوليو 2020

من روائع القصص:قصة بعير جابر بن عبدالله-رضى الله عنهما-مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

روايات قصة بعير جابر بن عبدالله-رضى الله عنهما- من صحيح ابن حبان:
1_عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما- قَالَ:
أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَأَعْيَا جَمَلِي فتخلَّفت عَلَيْهِ أَسُوقُهُ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ مُتَخَلِّفاً فَلَحِقَنِي فَقَالَ لِي:
(ما لك مُتُخُلِّفاً
 قال: قلت: لا يارسول اللَّهِ إِلَّا أَنَّ جَمَلِيَ ظَالِعٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْقَوْمِ،
 قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنَبِهِ فَضَرَبَهُ ثُمَّ زَجَرَهُ فَقَالَ:
(ارْكَبْ
 قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي ـ بَعْدُ ـ وَإِنِّي لأَكُفَّه عَنِ الْقَوْمِ،
 قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا دُونَ الْمَدِينَةِ فَأَرَدْتُ أَنْ أتعجَّل إِلَى أَهْلِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(لَا تَأتِ أَهْلكَ طَرُوقاً
 قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بعُرسٍ قَالَ:
(فَمَا تَزَوَّجْتَ
 قُلْتُ: امْرَأَةً ثَيِّبًا قَالَ:
(فَهَلاَّ بِكْراً تُلاعبُها وتُلاعِبُك
 قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ ـ أَوِ اسْتُشْهِدَ ـ وَتَرَكَ جَوَارِيَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ عليهنَّ مِثْلَهُنَّ،
[ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ أَحْسَنْتَ وَلَا أَسَأْتَ]*،
 قَالَ: ثُمَّ  قَالَ:
(بِعْني جَمَلَكَ هَذَا
 قَالَ: قُلْتُ: لَا بلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
 قَالَ:
(لَا بَلْ بِعْنيهِ
 قُلْتُ: أَجَلْ عَلَى أُوقيَّة ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا قَالَ:
(قَدْ أخَذْتُهُ فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
 فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ:
(أَعْطِهِ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ وزِدْهُ
 قَالَ: فَأَعْطَانِي أوقيَّة ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا،
 قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي فأخذه أهل الشام يوم الحَرَّةِ.
2_عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما- قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي فتخلَّفت فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ ثُمَّ قَالَ لِي:
(اركبْ) فركِبته فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أكفُّه عَلَى رَسُولِ اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(أَتَزَوَّجْتَ)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ:
(بِكْراً أَمْ ثًيِّباً؟ ) فَقُلْتُ: بَلْ ثيِّباً قَالَ:
(فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلاعبها وتُلاعبك؟ ) فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تجمعهنَّ وتُمشطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ:
(أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ فَإِذَا قَدِمْتَ فالكَيْسَ الكَيْسَ) ثُمَّ قَالَ:
(أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلِي وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ فجئتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ:
(الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ)؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ:
(فَدَعْ جَمَلَكَ وادْخُلْ فَصَلِّ رَكعتين) قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لِي أُوقِيَّةً قَالَ: فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا وَلَّيت قَالَ:
(ادْعُ لِي جَابِرًا) فدُعِيتُ فَقُلْتُ: الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ قَالَ:
(جَمَلُكَ وثَمَنُهُ لَكَ).
3_عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما-:  أَنَّهُ كان يسير على جمل له قد أعيا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ وَضَرَبَهُ فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ وَقَالَ:
(بِعْنِيهِ بأوقيَّةٍ) فَقُلْتُ: لَا ثُمَّ قَالَ:
(بِعْنِيهِ بأوقيَّةٍ) فَقُلْتُ: لَا ثُمَّ قَالَ:
(بِعْنِيهِ بأوقيَّة) فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ واستثنيتُ حِمْلانه إِلَى أَهْلِي فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(أتُراني ما كَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ؟ فَهُمَا لَكَ).
*قلت: ولكن في رواية الإمام أحمد في <مسنده>:" قال : أصبت - إن شاء الله ـ"

الجمعة، 12 أكتوبر 2018

من روائع المدونات : وَاغَوْثَاهُ باللهِ

وَاغَوْثَاهُ باللهِ...
فِي (سِيَر إعْلَامِ النُّبَلَاء) فِي تَرْجَمَة مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَان-رحمه الله- :
 قَالَ أَبُو الْمَلِيح : جَاءَ رَجُلٌ إلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَان يَخْطُب بِنْتَه ، فَقَال : لَا أَرْضَاهَا لَك ،
 قَال : وَلَم ؟ 
قَال : لِأَنَّهَا تُحِبّ الْحُلِيّ وَالْحُلَل ،
 قَال : فَعِنْدِي مِنْ هَذَا مَا تُرِيدُ ،
 قَال : الْآنَ لَا أَرْضَاك لَهَا .
هَذَا الْأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى مَتَانَة دَيْنِ السّلَفِ الَّذِين حَقَّقُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّه ﷺ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِم وَأَهْلِيهِم ؛ فَإِنَّكَ قَدْ لَا تَجِدُ امْرَأَةً لَا تُحِبّ الْحُلَل وَالْحُلِيّ إلَّا مِنْ رَحِمَ اللَّه وَقَلِيلٌ مَا هُنّ ثُمَّ أَنَّ مَحَبَّةَ الْحُلِيّ وَالْحُلَل بِمُجَرَّدِهَا قَدْ لَا يَتَوَجَّه كَوْنُهَا عَيْبًا إلَّا إذَا أَدَّتْ إلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَلَعَلّ مَيْمُونًا رَحِمَهُ اللَّهُ أَرَادَ مَع نَصَحِهِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَرَى مَوْقِفَه مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَإِنْ قَالَ مَثَلًا : نُعُوضُها مِنْ ذَلِك بِالتَّذْكِير بِالْمَوْت وَالْآخِرَة وَالْعَمَل لِلْحُلِيّ وَالْحُلَل الْبَاقِيَةِ فِي الْجَنَّة لَرُبَّمَا زَوَّجَهُ إيَّاهَا لَرُبَّمَا !
فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ الرَّجُل سيواتيها عَلَى مُرَادِهَا خَشِيَ عَلَى ابْنَتِهِ أَنْ تَفْتَنَّ فَرَدَّه بِأَن مِثْلَهِ لَا يُرْضَى تَزْوِيجُهُ !
قَارَن هَذَا بحالنا إلَّا مِنْ رَحِمَ اللَّهُ مِن تَنَافَسٍ عَلِيّ الْحُلِيّ وَالْحُلَل ومُبَاهَاةٍ بِهَا ، بَلْ إِنِّي أخْشَى أنَّ الأبَ إذا تَقَدَمَ رَجَلٌ لِخِطْبَةِ ابْنَتِه لقَالَ لَه : نُحِبُ الحُلِيّ وُ الحُلَلَ فَاكْثِرْ مِنْهُمَا ! ، وَمَن رِجَالٍ تَلْعَب بِهِم نِسَاؤُهُم حَتَّى أَفْضَوْا بِهِمْ إلَى انْحِرَافٍ عَنِ الْجَادَّةِ وَتَضْيِيعٍ للنشءِ وَالْأَمَانَةِ ، وَأَمَّا الْآبَاء فَقَلَّ مَنْ يَقُومُ بمسئوليةِ التَّرْبِيَةِ ، وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّه يَكْتُم عُيُوبَ ابْنَتِهِ ويُزَينُّهَا وَلَو بِالْكَذِب وكَثِيرٌ مِنْ الأَبَاءِ يَظُنُّ أنَّ وَاجِبهُ تُجَاه ابْنَتِهِ ينْتَهِي بِتزْويجَها فيَرفَعُ يَدَهُ ولَو رَأى تَقْصِيراً فَإِذَا ذَاقَ الزَّوْجُ الْمِسْكِين العَلْقَمَ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْأَب المكَّارِ إلَّا اللَّوْمَ وَالتَّقْرِيعَ فواغوثاه بِاَللَّه...
من مدونة: حسن بن حامد -حفظه الله-

الأربعاء، 15 أغسطس 2018

من روائع المدونات : مع عبادة الطواف

معَ عِبادةِ (الطَّوافِ)... 
من كتابِ "مناسك الحجّ والعُمرة" للإمامِ الألبانيّ رحمهُ اللهُ

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ للهِ، والصَّلَاةُ والسّلَامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ:
• وقفاتٌ معَ عبادةِ (الطّوافِ)؛ أُوجزُها -مع تصرُّفٍ يسير- من كتابِ والدي -رحمةُ اللهِ عليه-: 
"مناسك الحَجِّ والعُمْرة"*، (ص: 21-23):
1) يبادرُ إلى (الحَجَر الأسودِ):
- فيستقبلُهُ استقبالًا.
- فيُكبِّر.
- والتَّسميةُ قبلَه؛ صحَّتْ عنِ ابْنِ عمر، موقوفًا.

2)  ثمَّ يستلِمُهُ بيدِه:
- ويقبِّلُه بفمِهِ.
- ويسجدُ عليهِ -أيضًا-.
- فإنْ لم يُمْكِنْهُ تقبيلُهُ؛ اسْتلَمَهُ بيدهِ، ثمَّ قبَّلَ يدَه.
- فإنْ لم يُمْكِنْهُ الِاسْتلَامُ؛ أشارَ إليهِ بيدِه.

3) ثمَّ يبدأُ بالطَّوافِ حولَ الكعبةِ:
- يجعلُها عنْ يسارِه.
- فيطوفُ من وراءِ الحِجْرِ (سبعة أشواط).
- منَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ: شوطٌ.
- يضْطبِعُ فيها كلَّها.
- ويرمُلُ في الثَّلاثةِ الأُوَلِ منها؛ منَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ.
- ويمشِي في سائِرِها.

4) ويستلمُ (الرُّكنَ اليمانيَّ) بيدِه في كلِّ طَوفَةٍ:
- ولَا يقبِّلُه.
- فإنْ لم يتمكَّنْ منِ استلَامِهِ؛ لم تُشَرَعِ الإشارةُ إليهِ بيدِه.

5) وليسَ (للطَّوافِ) ذكرٌ خاصٌّ:
- فلهُ أنْ يقرأَ منَ القُرآنِ أوِ الذِّكْرِ ما شاءَ.
لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:
((الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، ولَكِنَّ اللهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ، فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ)).
وفي روايةٍ: ((فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ فِيهِ)).

6) ويقولُ بين (الرُّكْنِ اليمانيِّ والحَجَر الأسْود):
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

7) ولا يستلِمُ الرُّكنَينِ الشَّاميَّين
اتِّباعًا للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

8) ولهُ أن يلتَزِمَ (ما بينَ الرُّكْنِ والبابِ):
- فيضعُ صدْرَهُ، ووجهَهُ، وذراعيْهِ عليْه.

9)  فإذا انْتهى من الشَّوطِ السَّابع:
- غطَّى كتفَهُ الأيمنَ.
- وانطلَقَ إلى مقامِ إبراهيمَ، وقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} .
- وجعلَ (الـمَقامَ) بينَهُ وبينَ (الكعبةِ).
- وصلَّى -عندَهُ- ركعتَين.
- وقرأَ فيهِما: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}".
انتهى التّلخيص.
نفعَ اللهِ بهِ، وجعلَهُ في ميزان حسناتِ والدي.
- - -
الإثنين 2 ذو الحِجَّة 1439هـ‍
* ط 1 للطّبعة الجديدة، 1420هـ‍، مكتبة المعارف، الرّياض .
مدونة الأمرالعتيق

الخميس، 29 مارس 2018

قصة أعجبتني...

جاء في كتاب"المزهر في علوم اللغة وأنواعها"(307-309/2)للعلامة السيوطي-رحمه الله-:
"وقال محمد بن المعلى الأزدي في( كتاب الترقيص) : حدثنا أبو رياش عن الرياشي عن الأصمعي قال: كنت أغشى بيوت الأعراب أكتب عنهم كثيرًا حتى أَلِفوني، وعرفوا مُرادي، فأنا يوما مارٌّ بَعذَارى البصرة، قالت لي امرأة: يا أبا سعيد ائت ذلك الشيخ، فإنَّ عنده حديثاً حسناً، فاكتبه إن شئت.
قلت: أحسن الله إرشادَك ؛ فأتيت شيخا هِمّاً فسلمت عليه، فرد عليَّ السلام، 
وقال: من أنت؟ 

قلت: أنا عبد الملك بن قُرَيْب الأصْمَعي، 
قال: ذُو1 يتتبع الأعراب ؛ فيكتب ألفاظهم ؟ ،
قلت: نعم، وقد بلغني أن عندك حديثاً حسناً مُعْجباً رائعا ، 
وأخبرني باسمك ونسبك، 
قال: نعم، أنا حذيفة بن سور العَجلاني، ولد لأبي سبعُ بنات متواليات، 
وحملت أمي: فقلق قلقاً كاد قلقه يفلُق حبةَ قلبه، من خوف بنت ثامنة
،
فقال له شيخ من الحي: ألاَ استغثت بمَنْ خَلَقهنّ أن يكفيك مؤْنتهن!، 
قال: لا جَرَم2 ! لا أدعوه إلا في أحب البقاع إليه ؛
فإنه كريم لا يضيع قَصْد قاصديه، ولا يخيب آمال آمليه ؛
فأتى البيت الحرام وقال: 
(يا رب حسبي من بناتٍ حَسْبي ... شيَّبن رأسي وأكلن كَسْبي)
(إن زدتني أخرى خلعتَ قلبي ... وزدتني هما يَدُقُّ صلبي) 
فإذا بهاتف يقول: 
(لا تقنطن غشيت يا بن سور ... بذَكَرٍ من خيرة الذُّكور)
(ليس بمثمود3 ولا منزور ... محمدٍ من فعله مشكور)
(موجَّهٍ4 في قومه مذكور)
فرجع أبي واثقاً بالله جلَّ جلالُه، 
فوضعتني أمي، فنشأت أحسن ما نشأ غلام عِفّةً وكرماً، وبلغتُ مبْلغ الرجال، وقمت بأمر أخواتي وزوَّجتهن، وكنَّ عوانس، ثم قضى الله تعالى أن سترتهن ووالدتي، ثم منَّ الله عليَّ أن أعطاني فأوسع وأكثر، وله الحمد، وولدت رجالاً كثيرًا ونساء ؛ وإن بين يدي اليوم من ظهري ثمانين رجلا وامرأة ".
1-ذو بمعنى الذى وهى لغة طئ. حاشية
2-لا جَرَم: لابدّ أو حقاً أو لا محالة .حاشبة
3-المثمود:من يعطى بعد إلجاح ، وكذلك المنذور. حاشية
4-يقال رجل موجه ووجيه إذا كان ذا جاه وقدر. حاشية

السبت، 13 مايو 2017

من صحيح كرامات الصحابة -رضي الله عنهم-، فقـه وفـوائد

أخرج الإمام مسلم-رحمه الله-في "صحيحه"[كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان] عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً،
 قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟
 قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ، ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ،
 قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، 
قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا،
 قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، 
قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ، أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ، وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا، فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا ، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ،
 فَقَالَ: «هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟»،
 قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَهُ.
وقال أيضاً:حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو، جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةِ رَاكِبٍ، وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَ جَيْشَ الْخَبَطِ، فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهَا حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا»، قَالَ: «فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ وَأَطْوَلِ جَمَلٍ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، فَمَرَّ تَحْتَهُ»، قَالَ: " وَجَلَسَ فِي حَجَاجِ عَيْنِهِ نَفَرٌ، قَالَ: وَأَخْرَجْنَا مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةَ وَدَكٍ "، قَالَ: «وَكَانَ مَعَنَا جِرَابٌ مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا قَبْضَةً قَبْضَةً، ثُمَّ أَعْطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَلَمَّا فَنِيَ وَجَدْنَا فَقْدَهُ».
قال الإمام النووى-رحمه الله-عند شرحه :
"قوله : ( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة )
فيه : أن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها وينقادون لأمره ونهيه ، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم ، أو من أفضلهم ، قالوا : ويستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم وينقادوا له .
قوله : ( نتلقى عيرا لقريش ) قد سبق أن العير هي الإبل التي تحمل الطعام وغيره .
وفي هذا الحديث : جواز صد أهل الحرب ، واغتيالهم ، والخروج لأخذ مالهم واغتنامه.
 قوله : ( وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل ) أما الجراب فبكسر الجيم وفتحها ، الكسر أفصح ، وسبق بيانه مرات ، ونمصها : بفتح الميم وضمها ، الفتح أفصح وأشهر ، وسبق بيان لغاته في كتاب الإيمان . 
وفي هذا بيان ما كان الصحابة - رضي الله عنهم - عليه من الزهد في الدنيا ، والتقلل منها ، والصبر على الجوع وخشونة العيش ، وإقدامهم على الغزو مع هذه الحال .
قوله : ( وزودنا جرابا لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة ) ، وفي رواية من هذا الحديث : ( ونحن نحمل أزوادنا على رقابنا ) ، وفي رواية : ( ففني زادهم فجمع أبو عبيدة زادهم في مزود فكان يقوتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة ) ، وفي الموطأ : " ففني زادهم وكان مزودي تمر ، وكان يقوتنا حتى كان يصيبنا كل يوم تمرة "، وفي الرواية الأخرى لمسلم : ( كان يعطينا قبضة قبضة ثم أعطانا تمرة تمرة ) قال القاضي : الجمع بين هذه الروايات: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم زودهم المزود زائدا على ما كان معهم من الزاد من أموالهم وغيرها مما واساهم به الصحابة ، ولهذا قال : ونحن نحمل أزوادنا ، قال : ويحتمل أنه لم يكن في زادهم تمر غير هذا الجراب ، وكان معهم غيره من الزاد .
وأما إعطاء أبي عبيدة إياهم تمرة تمرة فإنما كان في الحال الثانية بعد أن فني زادهم ، وطال لبثهم ، كما فسره في الرواية الأخيرة . فالرواية الأولى معناها الإخبار عن آخر الأمر لا عن أوله ، والظاهر أن قوله : ( تمرة تمرة ) إنما كان بعد أن قسم عليهم قبضة قبضة ، فلما قل تمرهم قسمه عليهم تمرة تمرة ، ثم فرغ وفقدوا التمرة ، وجدوا ألما لفقدها ، وأكلوا الخبط إلى أن فتح الله عليهم بالعنبر .
قوله : ( فجمع أبو عبيدة زادنا في مزود فكان يقوتنا ) هذا محمول على أنه جمعه برضاهم ، وخلطه ليبارك لهم ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في مواطن ، وكما كان الأشعريون يفعلون ، وأثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ،
وقد قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك وأحسن في العشرة ، وألا يختص بعضهم بأكل دون بعض . والله أعلم .
قوله : ( كهيئة الكثيب الضخم ) هو بالثاء المثلثة ، وهو الرمل المستطيل المحدودب .
قوله : ( فإذا هي دابة تدعى العنبر ) قال أبو عبيدة : ميتة ، ثم قال : بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا ، فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ) وذكر في آخر الحديث أنهم تزودوا منه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم حين رجعوا : هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟
قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله .
معنى الحديث : أن أبا عبيدة - رضي الله عنه - قال أولا باجتهاده : إن هذا ميتة والميتة حرام ، فلا يحل لكم أكلها ، ثم تغير اجتهاده فقال : بل هو حلال لكم ، وإن كان ميتة ؛ لأنكم في سبيل الله ، وقد اضطررتم ، وقد أباح الله تعالى الميتة لمن كان مضطرا غير باغ ولا عاد فكلوا فأكلوا منه .
وأما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من لحمه وأكله ذلك ، فإنما أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حله ، وأنه لا شك في إباحته ، وأنه يرتضيه لنفسه أو أنه قصد التبرك به لكونه طعمة من الله تعالى ، خارقة للعادة أكرمهم الله بها .
وفي هذا دليل على : أنه لا بأس بسؤال الإنسان من مال صاحبه ومتاعه إدلالاً عليه ، وليس هو من السؤال المنهي عنه ، إنما ذاك في حق الأجانب للتمول ونحوه ، وأما هذه فللمؤانسة والملاطفة والإدلال .
وفيه : جواز الاجتهاد في الأحكام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما يجوز بعده .
وفيه : أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي ، وكان فيه طمأنينة للمستفتي .
وفيه : إباحة ميتات البحر كلها سواء في ذلك ما مات بنفسه أو باصطياد ، وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك ،
قال أصحابنا : يحرم الضفدع للحديث في النهي عن قتلها ، قالوا : وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه أصحها : يحل جميعه ؛ لهذا الحديث ، والثاني : لا يحل ، والثالث : يحل ما له نظير مأكول في البر دون ما لا يؤكل نظيره ، فعلى هذا تؤكل خيل البحر ، وغنمه ، وظباؤه دون كلبه وخنزيره وحماره ،
قال أصحابنا : والحمار وإن كان في البر منه مأكول وغيره ، ولكن الغالب غير المأكول ،هذا تفصيل مذهبنا .
وممن قال بإباحة جميع حيوانات البحر إلا الضفدع أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس - رضي الله عنهم - وأباح مالك الضفدع والجميع ، وقال أبو حنيفة : لا يحل غير السمك ، وأما السمك الطافي وهو الذي يموت في البحر بلا سبب فمذهبنا إباحته ، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم ، منهم أبو بكر الصديق وأبو أيوب وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأحمد وأبو ثور وداود وغيرهم ،
وقال جابر بن عبد الله وجابر بن زيدوطاوس وأبو حنيفة : لا يحل ، دليلنا قوله تعالى : {أحل لكم صيد البحر وطعامه}، قال ابن عباس والجمهور : صيده ما صدتموه وطعامه ما قذفه ، وبحديث جابر هذا ،
وبحديث : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، وهو حديث صحيح ، وبأشياء مشهورة غير ما ذكرنا .
وأما الحديث المروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما ألقاه البحر وجزر عنه فكلوه ، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه " فحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء ، كيف وهو معارض بما ذكرناه ؟ وقد أوضحت ضعف رجاله في شرح المهذب في باب الأطعمة ، فإن قيل : لا حجة في حديث العنبر ؛ لأنهم كانوا مضطرين ، قلنا : الاحتجاج بأكل النبي صلى الله عليه وسلم منه في المدينة من غير ضرورة .
قوله : ( ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور ) أما ( الوقب ) فبفتح الواو وإسكان القاف وبالباء الموحدة ، وهو داخل عينه ونقرتها ، و ( القلال ) بكسر القاف جمع ( قلة ) بضمها ، وهي الجرة الكبيرة التي يقلها الرجل بين يديه أي يحملها ، و ( الفدر ) بكسر الفاء وفتح الدال هي القطع ، وقوله : ( كقدر الثور ) رويناه بوجهين مشهورين في نسخ بلادنا : أحدهما : بقاف مفتوحة ثم دال ساكنة أي مثل الثور . والثاني : ( كفدر ) بفاء مكسورة ثم دال مفتوحة جمع ( فدرة ) ، والأول أصح ، وادعى القاضي أنه تصحيف ، وأن الثاني هو الصواب ، وليس كما قال .
قوله : ( ثم رحل أعظم بعير ) هو بفتح الحاء أي جعل عليه رحلا .
قوله : ( وتزودنا من لحمه وشائق ) هو بالشين المعجمة والقاف ، قال أبو عبيد : هو اللحم يؤخذ فيغلى إغلاء ولا ينضج ويحمل في الأسفار ، يقال : وشقت اللحم فاتشق ، والوشيقة الواحدة منه ، والجمع وشائق ووشق . وقيل : الوشيقة القديد .
قوله : ( ثابت أجسامنا ) أي رجعت إلى القوة .
قوله : ( فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه ) كذا هو في النسخ ( فنصبه ) ، وفي الرواية الأولى : ( فأقامها ) فأنثها وهو المعروف ، ووجه التذكير أنه أراد به العضو .
قوله : ( وجلس في حجاج عينه نفر ) هو بحاء ثم جيم مخففة ، والحاء مكسورة ومفتوحة ، لغتان مشهورتان ، وهو بمعنى " وقب عينه " المذكور في الرواية السابقة ، وقد شرحناه .
قوله : ( إن رجلا نحر ثلاث جزائر ، ثم ثلاثا ، ثم ثلاثا ، ثم نهاه أبو عبيدة ) وهذا الرجل الذي نحر الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه .
قوله في الرواية الأولى : ( فأقمنا عليه شهراً ) وفي الرواية الثانية : ( فأكلنا منها نصف شهر ) ، وفي الثالثة : ( فأكل منها الجيش ثماني عشرة ليلة ) طريق الجمع بين الروايات: أن من روى شهرا هو الأصل ومعه زيادة علم ، ومن روى دونه لم ينف الزيادة ، ولو نفاها قدم المثبت وقد قدمنا مرات أن المشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له ، فلا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثبات الزيادة ، كيف وقد عارضه ؟ فوجب قبول الزيادة ،
وجمع القاضي بينهما بأن من قال : نصف شهر ، أراد أكلوا منه تلك المدة طريا ، ومن قال : شهرا ، أراد أنهم قددوه فأكلوا منه بقية الشهر قديدا . والله أعلم .
قوله : ( سيف البحر ) هو بكسر السين وإسكان المثناة تحت ، وهو ساحله ، كما قال في الروايتين قبله.."اهـ .



عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...