الاثنين، 1 أغسطس 2022

من نفائس الفصول في بيان إعجاز كلام الرحمن

 " في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز

من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبه على فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيماء ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام ؛ 

فمن ذلك قوله عزّ ذكره:<إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا>: استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلها في الائتمار والانزجار. وذلك لو أن إنساناً أطاع الله سبحانه مائة سنة ثم سرق حبة واحدة لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة، 

ومن ذلك قوله عز وجل: <لا خوف عليهم ولا هم يحزنون>: فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم ، وزوال كل مكروه عنهم ، ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف ؛ لأن الحزن يتولد من مكروه ماض أو حاضر ، والخوف يتولد من مكروه مستقبل؛ فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرم بحياته ، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس ، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها ؛ فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبلية. والسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنية.

 ومن ذلك قوله عز اسمه: <ولهم الأمن وهم مهتدون>: فالأمن كلمة واحدة تنبئ عن خلوص سرورهم من الشوائب كلها ؛ لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف والحزن ؛ المكروه الأعظم كما تقدم ذكره. فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف عنهم وارتفع بارتفاعه المكروه وحصل السرور المحبوب

ومن ذلك قوله تعالى ذكره <أوفو بالعقود>: فهما كلمتان جمعتا ما عقده الله على خلقه لنفسه وتعاقده الناس فيما بينهم ومن ذلك قوله سبحانه: <فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين>: فلم يبق مقترح لأحد إلا وقد تضمنته هاتان الكلمتان مع ما فيهما من القرب وشرف اللفظ وحسن الرونق.

ومن ذلك قوله عز وجل: <والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس>: فهذه الكلمات الثلاث الأخيرة تجمع من أصناف التجارات وأنواع المرافق في ركوب السفن ما لا يبلغه الإحصاء .

ومن ذلك قوله جل جلاله: <فاصدع بما تؤمر>: ثلاث كلمات اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها .

ومن ذلك قوله جل ثناؤه في وصف خمر الجنة: <لا يصدعون عنها ولا ينزفون>: فهاتان الكلمتان قد أتتا على جميع معايب الخمر ، ولما كان منها ذهاب العقل وحدوث الصداع برأ الله خمر الجنة منها وأثبت طيب النفوس وقوة الطبع وحصول الفرح

ومن ذلك قوله تبارك اسمه: <لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم>: وهو كلام يجمع جميع ما يأكله الناس مما تنبته الأرض

ومن ذلك قوله عز وعلا: <ولهنّ مثل الذي عليهن>: وهو كلام يتضمن جميع ما يجب على الرجال من حسن معاشرة النساء وصيانتهن وإزاحة عللهن وبلوغ كل مبلغ فيما يؤدي إلى مصالحهن ومناجحهن وجميع ما يجب على النساء من طاعة الأزواج وحسن مشاركتهم وطلب مرضاتهم وحفظ غيبتهم وصيانتهم عن خيانتهم .

ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: <ولكم في القصاص حياة>: ويحكي عن أزدشير الملك ما ترجمه بعض البلغاء فقال: القتل أنفى للقتل!: ففي كلام الله تعالى كل ما في كلام أزدشير الملك وفيه زيادة معان حسنه:

فمنها إبانة العدل بذكر القصاص ، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة ، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم الله تعالى به ، والجمع بين ذكر القصاص والحياة ، والبعد عن التكرير الذي يشق على النفس؛ فإن قوله القتل أنفى للقتل تكرير. غيره أبلغ منه

ومن ذلك قوله عز ذكره في إخوة يوسف: <فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا>: وهذه صفة اعتزالهم لجميع الناس وتقليبهم الآراء ظهراً لبطن وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه وما يوردون عليه من ذكر الحادث؛ فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة

ومن ذلك قوله جلت عظمته: <وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء>: فلو أراد أحد الأعيان الإعلام في البلاغة أن يعبر عنه لم يستطع أن يأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي يتضمنها حتى يبس مجموعها ويصل مقطوعها ويظهر مستوردها؛ فيقول: إن كان بينكم وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة أو نقضاً ؛ فاعلمهم أنك نقضت ما شرطت لهم وآذنهم بالحرب ؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء.".

من كتاب(الإعجاز والإيجاز) للثعالبي -رحمه الله -.


الأحد، 29 مايو 2022

إحذر الظلم

إحذر الظلم ! وتحلل ممن ظلمته اليوم ! فالأمر شديد !

أخرج الإمام أحمد في( مسنده)رقم ١٤٣٤ : بسنده

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رضي الله عنه-، قَالَ :

 لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ }،

 قَالَ الزُّبَيْرُ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا(أي من الخصومة) مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ ؟

 قَالَ : " نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يُؤَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ ". 

فَقَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللَّهِ إِنَّ الْأَمْرَ لَشَدِيدٌ.

[حكم الحديث: إسناده حسن، ..].

قال الحافظ ابن كثير-رحمه الله-:

" ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ -وَإِنْ كَانَ سِيَاقُهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وذِكْر الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ-فَإِنَّهَا شَامِلَةٌ لِكُلِّ مُتَنَازِعَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ تُعَادُ عَلَيْهِمُ الْخُصُومَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ".

درر من روائع التفسير

 #درر_من_روائع_التفسير

#فرق بين حال أولياء الرحمن عند سماع الذكر و القرآن وبين حال من ادعى الوصول !

#قس و قارن وتأمل !

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في *تفسيره* عند كلامه عن حال الصحابة -رضى الله عنهم- عند سماع القران:

" كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ تِلَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ مَعَ قُلُوبِهِمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. لَمْ يَكُونُوا يتصارخُون وَلَا يَتَكَلَّفُونَ مَا لَيْسَ فِيهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ وَالسُّكُونِ وَالْأَدَبِ وَالْخَشْيَةِ مَا لَا يَلْحَقُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا فَازُوا بالقِدح المُعَلّى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَر قَالَ: تَلَا قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

قَالَ: هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهُمْ، وَتَبْكِيَ أَعْيُنُهُمْ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْعَتْهُمْ بِذَهَابِ عُقُولِهِمْ وَالْغَشَيَانِ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا هَذَا فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ.".

(تفسير ابن كثير)تفسير سورة الزمر

الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

من روائع المدونات:

"مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صلّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ في أواخر سُورَةِ آلِ عِمْرَان

بسم الله الرّحمن الرّحيم....

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين...

أمّا بعد:

فكم من مسلم يتلو سورة (آل عمران) حتّى يختمها؛ ولكن؛ مَنْ منّا وقف على (هدْيه) عليه الصّلاة والسّلام في الآيات الأخيرة منها؟

لأجل ذلك؛ فدونكم نقاط مختصرة؛ سطّرْتُها على نور الأدّلة؛ سائلة الله عزّ وجلّ أن يوفّقنا لاتّباعه صلّى الله عليه وسلّم.

 

• تلاوته صلّى الله عليه وسلّم للآيات العشر الأخيرة قبيل (قيامه اللّيل):

عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ الله عَنْهُمَا ـ؛ قَالَ:

(بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ؛ فَقُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِسَادَةٌ؛ فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طُولِهَا؛ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِه،ِ ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ؛ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى سِقَاءً مُعَلَّقًا؛ فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَع،َ ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي؛ فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا[1]، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ).[2]

وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه؛ قَالَ:

(بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ؛ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الْآيَاتِ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}

حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ، أَوْ خَتَمَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ؛ فَأَتَى مُصَلاّهُ؛ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ،

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ؛ فَنَامَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ؛ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ،

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ؛ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ،

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ؛ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْل ذَلِكَ؛

كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ).

قَالَ أَبُو دَاوُد: "رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ؛ قَالَ: فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ".[3]

 

• تلاوته صلّى الله عليه وسلّم للآيات الكريمة وهو يتوضّأ:

وعنه رضي اللهُ عنه؛ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَاسْتَيْقَظَ؛ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ؛ وَهُوَ يَقُولُ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ}

فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ؛ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ؛ كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ! ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ؛ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ؛ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ:

اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللهمَّ أَعْطِنِي نُورًا). [4]

 

• نظرُه عليه الصّلاة والسّلام إلى (السّماء) عند تلاوتها:

وأيضًا؛ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا؛ قَالَ:

(بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ؛ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ؛ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ؛ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ؛ فَقَالَ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}

ثُمَّ قَامَ؛ فَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ؛ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ).[5] 

 

• تكراره عليه الصّلاة والسّلام للآيات الأولى منها:

وعَنهُ رضيّ اللهُ عنهُ؛ أَنَّهُ:

(بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ؛ فَقَامَ نَبِيُّ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ فِي (آلِ عِمْرَانَ):

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}

حَتَّى بَلَغَ: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ؛ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ؛ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى). [6]

  .توعّده صلّى الله عليه وسلّم لمن قرأ (إنّ في خلق)  -الآية - ولم  يتفكّر بها:

عنْ عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ أنَّهُ قَالَ لعَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهُا:

أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِيهِ مِنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!

قَالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِيِ؛ قَالَ:

يَا عَائِشَةُ! ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي .

قُلْت: وَالله إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَك، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّك!

قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي،

قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ،

قَالَتْ: وَكَانَ جَالِسًا فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ،

قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأرْضَ!

فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ؛ فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي؛ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ الله لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟!

قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!

{إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآيَةَ كُلَّهَا".[7]

 ـ وقد جاء في "شرح النّووي على مسلم":

"وفيه : استحباب قراءة هذه الآيات عند القيام من النّوم". ا.هـ

وفي موضع آخر:

"وقوله: (فخرج فنظر إلى السّماء، ثمّ تلا هذه الآية في آل عمران {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآيات... فيه:

ـ أنّه يُستحبّ قراءتها عند الاستيقاظ في اللّيل مع (النّظر إلى السّماء) لما في ذلك من عظيم التّدبّر!

ـ وإذا تكرّر نومه، واستيقاظه، وخروجه، استُحِبّ تكريرُه قراءة هذه الآيات؛ كما ذكر في الحديث. والله سبحانه وتعالى أعلم". ا.هـ

 

 

ـ وفي "المنتقى شرح الموطّأ":

"وقوله: (ثمّ قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران)؛ يعني:

من قوله: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى آخر السورة.

ويحتمل: أن يفعل ذلك ليبتدئ يقظته بذكر الله، ويختمها بذكر الله عند نومه.

ويحتمل: أن يفعل ذلك لذكر الله تعالى، وليذكر ما ندب إليه من العبادة، وما وعد على ذلك من الثّواب، وتوعّد على معصيته من العقاب؛ فإن هذه (الآيات) جامعة لكثير من ذلك؛ ليكون ذلك تنشيطًا له على العبادة."! ا.هـ

 

ـ وقد قال الطّبريّ ـ رحمه الله ـ في تفسيره:

"فختم تعالى هذه السّورة بالأمر بالنّظر والاستدلال في آياته؛ إذ لا تصدر إلا عن حيّ قيّوم قدير قدّوس سلام غنيّ عن العالمين، حتّى يكون إيمانهم مستندًا إلى (اليقين) لا إلى (التّقليد)"!... إلى أن قال ـ رحمه الله ـ وهنا الشّاهد ـ:

"قال العلماء: يُستحبّ لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات؛ (اقتداء) بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثبت ذلك في "الصّحيحين" وغيرهما وسيأتي، ثم يصلّي ما كتب له، فيجمع بين (التّفكّر) و(العمل)؛ وهو (أفضل العمل)"! ا.هـ

 

نسأله تعالى أن يوفّقنا لاتّباع سنّته عليه الصّلاة والسّلام حقّ الاتّباع.

وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وسلّم.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

                      

 [1] ـ  "جاء في عون المعبود": "إِنَّمَا فَتَلَهَا تَنْبِيهًا مِنْ النُّعَاس لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة لِمُسْلِمٍ: (فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذ بِشَحْمَةِ أُذُنِي). ا.هـ، وفي "المنتقى شرح الموطّأ": " وَقَوْلُهُ: (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَهُ إيقَاظًا لَهُ...". ا.هـ.

هذا وقد كان ابن عبّاس رضي الله عنه صغيرًا في السّنّ؛ لم يجاوز الحلُم بعد، ومع ذلك وصف ذلك الوصفَ الدّقيق الوارد في الحديث! فرضي الله عنه، وعنِ الصّحابة أجمعين.

[2] ـ صحيح البخاري/كتاب التّفسير/ باب {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية: 191، رقم الحديث: (4570).

[3] ـ رواه أبو داود في/ كتاب الطّهارة/ باب السّواك لمن قام اللّيل، وصحّحه الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ انظر: "سنن أبي داود"؛ رقم الحديث: (58).

[4] ـ صحيح مسلم/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ باب الدُّعَاءِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ وَقِيَامِهِ؛ رقم الحديث: (191).

[5] ـ صحيح البخاري/ كتاب تفسير القرآن/ باب بَاب قَوْلِهِ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأََلْبَابِ} الآية: 190؛ رقم الحديث: (4569).

[6] ـ صحيح مسلم/ كتاب الطّهارة/ باب السِّوَاك؛ رقم الحديث: (256).

[7] ـ  رواه ابن حبان في "صحيحه" وغيره، وصحّحه الوالد ـ رحمه الله ـ انظر:  "صحيح التّرغيب والتّرهيب"؛ رقم الحديث: (1468)."

(مدوّنة: الأمر العتيق)

الاثنين، 9 نوفمبر 2020

#من روائع المدونات.. "أدَبٌ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُورَةِ (الرَّحمَن) أخَلَّ بِهِ جَمَاهِيرُ المُسْتَمِعِينَ والقُرَّاء"..

بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ:

• فعُنْوانُ الموضوعِ اقْتَبَسْتُهُ منْ كلامِ والدِي -رحمةُ اللهِ عليهِ- في: " سلسلة الأحاديث الصّحيحة"، (5/ 2-3)، حيثُ قالَ:

"..وقد تميَّزَ هذا المجلَّدُ بأمورٍ؛ منها: كثرةُ الأحاديثِ الواردةِ في شمائِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهَدْيهِ،... ومنْ ذَلكَ: أدَبُ القَولِ إذَا قَرَأَ القَارِىءُ: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، (2150)؛ مِمَّا أخَلَّ بِهِ جَماهِيرُ الـمُسْتَمِعينَ والقُرَّاء!" اهـ‍ مُختَصَرًا.


• ويقصِدُ والدِي ما ورَدَ في الحديثِ -الَّذِي حسَّنَهُ بمَجْمُوعِ طَريقَيْهِ-، في "سلسلته الصّحيحة"، رقم (2150):

عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابه

فَقَرَأَ عَلَيْهِم سُورَةَ (الرَّحْمَنِ)، مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا!

فَقَالَ: ((لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ!

كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ على قَوْلهِ: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؛ قَالُوا:

"لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ"))!


• فوائدُ لها تعلُّقٌ، من كلَامِ أهلِ العلمِ، رحمَهُمُ اللهِ جميعًا:

1- " ..وذُكِرَتْ آيةُ {فَبِأَيِّ آَلَاءِ}، إِحْدَى وثَلَاثينَ مرَّةً، والِاسْتِفْهامُ فيها لِلتَّقْرير.." اهـ‍

["إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري"، (7/ 370)].


2- "وأمَّا تكْرارُ {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}، فإنَّهُ:

- عدَّدَ -في هذهِ السُّورةِ- نَعْماءَهُ!

- وأَذْكَرَ عِبادَهُ: (آلَاءَهُ)!

- ونبَّهَهُمْ على: (قُدْرَتِهِ، ولُطْفِهِ بِخَلْقِهِ)!

- ثُمَّ أتْبَعَ ذِكْرَ كُلَّ خُلَّةٍ وصَفَها، بهذهِ الآيةِ!

- وجعلَها فاصلةً بينَ كُلِّ نعمتَينِ!

ليُفَهِّمَهُمُ النِّعَمَ ويُقَرِّرَهُمْ بها!

وهذَا كَقولِكَ للرَّجُلِ أجَل، أحسنتَ إليهِ دهركَ وتابعتَ عنْدَهُ الأَيادي، وهوَ في ذلكَ يُنْكِرُك ويَكْفُرَك-: "ألمْ أُبَوِّئْكَ مَنْزلًا وأنْتَ طَريدٌ؟ أفَتُنْكِرُ هَذا؟

و: ألَمْ أحْمِلْكَ وأنْتَ راجِلٌ؟

ألَمْ أحُجَّ بكَ وأنْتَ صَرُورَةٌ؟ أَفَتُنْكِرُ هَذا؟" اهـ‍

["تأويل مشكل القرآن"، لابن قُتيبةَ، (ص: 239-240)].


3- "...والتَّكريرُ حَسنٌ في مثلِ هَذا.

قالَ الشَّاعر: [مشطور الرجز]

4631 - كَمْ نِعْمَةٍ كَانَتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ! ...

وقالَ الشَّاعر -رَحِمَهُ اللَّهُ-: [البسيط]

4632 - لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إن كُنْتِ مُسْلمَةً ... إيَّاكِ من دمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ

وقالَ آخرُ: [المنسرح]

4633 - لَا تَقْطَعَنَّ الصَّديقَ ما طَرَفَتْ ... عَيْنَاكَ من قَوْلِ كَاشحٍ أشِرِ

             ولَا تَمَلَّنَّ مِنْ زيَارتِهِ ... زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ!

وقالَ الحُسينُ بْنُ الفضْلِ: التَّكريرُ طردٌ للْغَفْلَةِ، وتأكيدٌ لِلْحُجَّة!

قالَ شهابُ الدِّينِ: والتَّكريرُ -هَهُنا- كما تقدَّمَ في قولِهِ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ} [القمر: 17]، وكقَولِهِ فيما سَيأْتِي: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 45].

وذهبَ جَماعةٌ -منهمُ: ابنُ قُتيبةَ: إلى أنَّ (التَّكريرَ)؛ لِاخْتِلَافِ النِّعَمِ، فلِذلكَ كرَّرَ؛ للتَّوقيفِ معَ كُلِّ واحدَةٍ!" اهـ‍

["اللُّباب في علوم الكتاب"، (18/ 312)].


4- "..فَالتَّكْرِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْرِيرِ، وَاتِّخَاذِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا وَقَفَهُمْ عَلَى خَلْقٍ، خَلْقٍ!" اهـ‍

["تفسير القرطبيّ"، (17/ 159)].


5- "..وَكَرَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ؛ تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ وَتَأْكِيدًا فِي التَّذْكِيرِ بِهَا، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِبْلَاغِ وَالْإِشْبَاعِ.." اهـ‍

["تفسير البغويّ"، (4/ 332)].


6- "وَقَوْلُهُ: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؛ أَيْ: فَبِأَيِّ الْآلَاءِ  -يَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ- تُكَذِّبَانِ؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَعْدَهُ، أَيِ: النِّعَمُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِهَا، لَا تَسْتَطِيعُونَ إِنْكَارَهَا وَلَا جُحُودَهَا!

فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ: "اللَّهُمَّ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نكذِّب، فَلَكَ الْحَمْدُ".

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "لَا بأيِّها يَا رَبِّ!"؛ أَيْ: لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا" اهـ‍

["تفسير ابن كثير"، (7/ 491)].


7- "..وَالْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَنُعُوتِهِ، وَمَعَانِي أَسْمَائِهِ؛ فَهِيَ آلَاءُ آيَاتٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ آلَائِهِ؛ فَهُوَ مِنْ آيَاتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ آيَاتِهِ؛ فَهُوَ مِنْ آلَائِهِ؛ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّعْرِيفَ وَالْهِدَايَةَ وَالدَّلَالَةَ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَقُدْرَتُهُ وَحِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ وَدِينُهُ. وَالْهُدَى: أَفْضَلُ النِّعَمِ!.." اهـ‍

["مجموع فتاوى ابن تيمية"، (8/ 31)].


8- "هذِهِ السُّورَةُ الكريمةُ الجَليلةُ، افْتَتَحَها باسْمِهِ: (الرَّحْمَنُ)؛ الدَّالِّ على سِعَةِ رحمتِهِ، وعمُومِ إحْسَانِهِ، وجزيلِ بِرِّهِ، وواسِعِ فضْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يدُلُّ على رحْمَتِهِ وأثَرِها الَّذي أوْصَلَهُ اللهُ إلى عِبادِهِ منَ النِّعَمِ الدِّينيَّةِ والدُّنيَويَّةِ [والأُخْرَويَّةِ، وبعدَ كُلِّ جنْسٍ ونَوعٍ مِنْ نِعَمِهِ؛ يُنَبِّهُ الثِّقَلَينِ لِشُكْرِهِ، ويَقُولُ: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}]" اهـ‍

[تفسير السعديّ:  "تيسير الكريم الرّحمن"، (ص: 828)].


9- "الحكمةُ من تشَابُهِ الآياتِ في (القُرآنِ الكريمِ) منْ ناحيةِ (اللَّفظِ) هو: تكرارُ ما تفيدُ هذِهِ الآياتِ منَ المعاني على النُّفُوسِ، منْ أجْلِ أنْ يهتمَّ بها الإنْسَانُ! ولهذَا تجدُ بعضَ السُّورِ تتَكرَّرُ فيها الآيةُ الواحدةُ عدَّةَ مرَّاتٍ، مثلاً:

في سُورةِ (الرَّحْمن)، كُرِّر قولُهُ تَعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرَّحْمن:13] عدَّةَ مرَّاتٍ، أكثرَ منْ ثلاثِينَ مَرَّةً، وفي سُورةِ (المرْسَلَاتِ) كُرِّر قولُهُ تَعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات:15]، وذلكَ منْ أجْلِ الِاهْتِمامِ والعنايةِ بهذَا الأمْرِ!" اهـ‍

["لقاء الباب المفتوح"، للعثيمين، (42/ 18)].

واللهُ تعالى أعلَم.

سُبحانَكَ لَا عِلْمَ لنا إلَّا ما علَّمْتنا إنَّكَ أنتَ العليمُ الحكيم.

وصلِّ اللَّهُمَّ على محمَّدٍ وعلى آلِهِ وسلِّمْ.

كتبَتْهُ: حسَّانة"..

(مدوّنة الأمرالعتيق)

السبت، 8 أغسطس 2020

‫#‏من‬ التعوذات النبوية...وشرحها...

‫#‏من‬ التعوذات النبوية...وشرحها...
 فعن أبى هريرة-رضى الله عنه-قال :"كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
اللهم إني أعوذ بك من جارالسوء ،
ومن زوج تشيبني قبل المشيب ،
ومن ولد يكون علي ربّا ،

ومن مال يكون علّي عذابا ،
ومن خليل ماكر عينه تراني ، وقلبه يرعاني ؛ إن رأى حسنة دفنها ، وإذا رأى سيئة أذاعها
".

(الصحيحة)٣١٣٧
من شرح الحديث..

"الشرح 

هذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من خمسة مجاورين من الصفات الذميمة التي لا ينفك عنها العبد في عيشه في هذه الدار.

فأولها: ((جار السوء)):.....
وقوله: ((ومن زوج تُشِّيبني قبل المشيب)): ((وهي المرأة السوء, وهي التي تراها فتسوؤك لقبح ذاتها, أو أفعالها, وتحمل لسانها عليك بالبذاءة, وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك))(1).
فينشأ بسببها الشيب قبل وقته، بسبب ما يحصل من الهم، والغم، وكدر العيش.
قوله: ((ومن ولد يكون عليَّ ربَّاً)): أي أستعيذ بك أن ترزقني ولداً يكون عليَّ مالكاً، لعقوقه وعدم برّه, وتسلّطه عليَّ كأنه هو المالك السيد، وأنا العبد المملوك عنده.
قوله: ((ومن مال يكون عليَّ عذاباً)): ومن مال يكون سبباً لعذابي وخسارتي, لحرصي على جمعه من غير حِلِّه, وهذا المال الحرام الذي تفقد بركته وخيره في معاش العبد، ويورد شرّ الموارد في الآخرة, وتضمّنت هذه الاستعاذة والتي قبلها وبعدها أضداد هذه الشرور في سؤال اللَّه تعالى الرزق من الزوجة الصالحة, والولد الصالح, والمال الحلال في الكسب والإنفاق, وكذلك مصاحبة الصالحين الذين يعينون العبد في دينه ودنياه وآخرته.
قوله: ((ومن خليل ماكر)): أي أعوذ بك من صديق يظهر المحبة, والخلّة والودّ, وهو في باطن الأمر محتال مخادع.
قوله: ((عينه تراني)): أي ينظر إليَّ نظر الخليل لخليله خداعاً، ومداهنة، ومكراً.
قوله: ((وقلبه يرعاني)): أي قلبه يراعي إيذائي، وهو لي بالمرصاد، يتربص بي الشرّ والسوء.
قوله: ((إن رأى حسنة دفنها)): أي إذا علم مني بفعل حسنةً فعلتها.
((دفنها)): سترها، وغطّاها، وكتمها، ولم ينشرها.
قوله: ((وإذا رأى سيئة أذاعها)): أي إذا علم مني بفعل سيئة زللت بها, نشرها، وأظهرها خبراً بين الناس(2), فهذا والعياذ باللَّه ليس بخليل ولا صديق, إنما [هو] عدوّ غشوم, ظلوم, وحاله هذه: حال المنافقين التي بيّنها اللَّه تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}.

(1]) بداية المبتدئ و هداية السالك، ص 214 .
([2]) انظر: فيض القدير، 2 / 145، وبداية المبتدئ وهداية السالك، ص 215 بتصرف".

تم النقل من موقع (الكلم الطيب)

الاثنين، 6 يوليو 2020

من روائع القصص:قصة بعير جابر بن عبدالله-رضى الله عنهما-مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

روايات قصة بعير جابر بن عبدالله-رضى الله عنهما- من صحيح ابن حبان:
1_عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما- قَالَ:
أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَأَعْيَا جَمَلِي فتخلَّفت عَلَيْهِ أَسُوقُهُ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ مُتَخَلِّفاً فَلَحِقَنِي فَقَالَ لِي:
(ما لك مُتُخُلِّفاً
 قال: قلت: لا يارسول اللَّهِ إِلَّا أَنَّ جَمَلِيَ ظَالِعٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْقَوْمِ،
 قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنَبِهِ فَضَرَبَهُ ثُمَّ زَجَرَهُ فَقَالَ:
(ارْكَبْ
 قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي ـ بَعْدُ ـ وَإِنِّي لأَكُفَّه عَنِ الْقَوْمِ،
 قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا دُونَ الْمَدِينَةِ فَأَرَدْتُ أَنْ أتعجَّل إِلَى أَهْلِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(لَا تَأتِ أَهْلكَ طَرُوقاً
 قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بعُرسٍ قَالَ:
(فَمَا تَزَوَّجْتَ
 قُلْتُ: امْرَأَةً ثَيِّبًا قَالَ:
(فَهَلاَّ بِكْراً تُلاعبُها وتُلاعِبُك
 قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ ـ أَوِ اسْتُشْهِدَ ـ وَتَرَكَ جَوَارِيَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ عليهنَّ مِثْلَهُنَّ،
[ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ أَحْسَنْتَ وَلَا أَسَأْتَ]*،
 قَالَ: ثُمَّ  قَالَ:
(بِعْني جَمَلَكَ هَذَا
 قَالَ: قُلْتُ: لَا بلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
 قَالَ:
(لَا بَلْ بِعْنيهِ
 قُلْتُ: أَجَلْ عَلَى أُوقيَّة ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا قَالَ:
(قَدْ أخَذْتُهُ فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
 فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ:
(أَعْطِهِ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ وزِدْهُ
 قَالَ: فَأَعْطَانِي أوقيَّة ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا،
 قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي فأخذه أهل الشام يوم الحَرَّةِ.
2_عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما- قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي فتخلَّفت فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ ثُمَّ قَالَ لِي:
(اركبْ) فركِبته فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أكفُّه عَلَى رَسُولِ اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(أَتَزَوَّجْتَ)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ:
(بِكْراً أَمْ ثًيِّباً؟ ) فَقُلْتُ: بَلْ ثيِّباً قَالَ:
(فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلاعبها وتُلاعبك؟ ) فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تجمعهنَّ وتُمشطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ قَالَ:
(أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ فَإِذَا قَدِمْتَ فالكَيْسَ الكَيْسَ) ثُمَّ قَالَ:
(أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلِي وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ فجئتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ:
(الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ)؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ:
(فَدَعْ جَمَلَكَ وادْخُلْ فَصَلِّ رَكعتين) قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لِي أُوقِيَّةً قَالَ: فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا وَلَّيت قَالَ:
(ادْعُ لِي جَابِرًا) فدُعِيتُ فَقُلْتُ: الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ قَالَ:
(جَمَلُكَ وثَمَنُهُ لَكَ).
3_عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ-رضى الله عنهما-:  أَنَّهُ كان يسير على جمل له قد أعيا فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُ وَضَرَبَهُ فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ وَقَالَ:
(بِعْنِيهِ بأوقيَّةٍ) فَقُلْتُ: لَا ثُمَّ قَالَ:
(بِعْنِيهِ بأوقيَّةٍ) فَقُلْتُ: لَا ثُمَّ قَالَ:
(بِعْنِيهِ بأوقيَّة) فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ واستثنيتُ حِمْلانه إِلَى أَهْلِي فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(أتُراني ما كَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ؟ فَهُمَا لَكَ).
*قلت: ولكن في رواية الإمام أحمد في <مسنده>:" قال : أصبت - إن شاء الله ـ"

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...