الأحد، 10 يونيو 2012

من روائع التفسير:قوله تعالي: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}..فقه وفوائد

قال العلامة السعدي -رحمه الله- في "تفسيره" القيم (1/150) عند تفسيره لقوله تعالي:{ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)}سورة البقرة :


" { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا } وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من العرب, إذا أحرموا, لم يدخلوا البيوت من أبوابها, تعبدا بذلك, وظنا أنه بر. 
فأخبر الله أنه ليس ببر لأن الله تعالى, لم يشرعه لهم،
 وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله, فهو متعبد ببدعة،
 وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم ، التي هي قاعدة من قواعد الشرع.
ويستفاد من إشارة الآية
أنه ينبغي في كل أمر من الأمور، أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب، الذي قد جعل له موصلا ؛ فالآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق والسياسة، التي بها يحصل المقصود أو بعضه ، والمتعلم والمعلم ، ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله ، يحصل به مقصوده ، وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه ؛ فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود.
{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } هذا هو البر الذي أمر الله به، وهو لزوم تقواه على الدوام، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإنه سبب للفلاح، الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فمن لم يتق الله تعالى، لم يكن له سبيل إلى الفلاح، ومن اتقاه ، فاز بالفلاح والنجاح ".

من روائع التفسير: من قواعد معرفة الحق

قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله- عند تفسير قوله تعالي: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)  .سورة الأنعام:

" يقول تعالى، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، محذرا عن طاعة أكثر الناس: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم، وعلومهم. فأديانهم فاسدة، وأعمالهم تبع لأهوائهم، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق.
بل غايتهم أنهم يتبعون الظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، ويتخرصون في القول على الله ما لا يعلمون، ومن كان بهذه المثابة، فحري أن يحذِّر الله منه عبادَه، ويصف لهم أحوالهم؛ لأن هذا –وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم- فإن أمته أسوة له في سائر الأحكام، التي ليست من خصائصه.
والله تعالى أصدق قيلا وأصدق حديثا، و { هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ } وأعلم بمن يهتدي. ويهدي. فيجب عليكم -أيها المؤمنون- أن تتبعوا نصائحه وأوامره ونواهيه لأنه أعلم بمصالحكم، وأرحم بكم من أنفسكم.
ودلت هذه الآية، على أنه لا يستدل على الحق، بكثرة أهله، ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عددا، الأعظمون -عند الله- قدرا وأجرا، بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل، بالطرق الموصلة إليه ".

"تيسير الكريم الرحمن"

السبت، 9 يونيو 2012

تحقيق علمي بديع لحديث" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "للامام الألباني-رحمه الله-

جاء في "الضعيفة"( 5/278-481) الحديث رقم 2460:

" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " .
قال الامام -رحمه الله- :
"منكر
قال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " ( 2/6 ) :
" رواه البيهقي في " الزهد " من حديث جابر ، وقال : هذا إسناد فيه ضعف " .
وقال الحافظ ابن حجر في " تخريج الكشاف " ( 4/114 - رقم 33 ) : بعد أن حكى كلام البيهقي فيه :

" وهو من رواية عيسى بن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث بن أبي سليم ، والثلاثة ضعفاء ، وأورده النسائي في " الكنى " من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين من أهل الشام " .
قلت : عيسى بن إبراهيم هو البركي ، وقد قال فيه الحافظ في " التقريب " :
" صدوق ربما وهم " ، فإطلاقه الضعف عليه - كما سبق - ليس بجيد .
وهذا هو الذي اعتمده الحافظ ؛ أنه من قول إبراهيم هذا ، فقد قال السيوطي في "الدرر " ( ص 170 ) :
" قال الحافظ ابن حجر في " تسديد القوس " : هو مشهور على الألسنة ، وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة في " الكنى " للنسائي " .
ثم تعقبه السيوطي بحديث جابر الآتي من رواية الخطيب ، ولوتعقبه برواية البيهقي السابقة لكان أولى ؛ لخلوها من متهم ، بخلاف رواية الخطيب ففيها كذاب !
كما يأتي قريبا بلفظ :
" قدمتم خير مقدم .. " .
ونقل الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على " تفسير البيضاوي " ( ق 110/1 ) عن
شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال :
" لا أصل له " . وأقره .
وقال في مكان آخر ( 202/1 ) :
" رواه البيهقي وضعف إسناده ، وقال غيره : لا أصل له " .
وأما قول الخفاجي في " حاشيته على البيضاوي " ( 6/316 ) :
" وفي سنده ضعف مغتفر في مثله " .
فغير مستقيم ؛ لأن ظاهره أنه حسن ، وكيف ذلك وفي سنده ثلاثة ضعفاء ، وقد اتفق من تكلم فيه على ضعفه ؟ !
ثم بعد سنين ، وقفت على الحديث في " الزهد " للبيهقي ( 42/1 ) ، فإذا هو بلفظ :
" قدمتم خير مقدم ، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر : مجاهدة العبد هو اه " .
وكذلك رواه أبو بكر الشافعي في " الفوائد المنتقاة " ( 13/83/1 ) من طريق عيسى ابن إبراهيم البركي قال : نا يحيى بن يعلى قال : نا ليث عن عطاء عن جابر قال :
قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم عراة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره .
قلت : وهذا سند ضعيف ، ليث هو ابن أبي سليم ، وهو ضعيف لاختلاطه ، ويحيى بن يعلى ؛ الظاهر أنه الأسلمي ، وهو ضعيف أيضا ، وبقية رجاله ثقات .
والحديث رواه الخطيب أيضا في " تاريخه " ( 13/523 - 524 ) من طريق الحسن بن هاشم عن يحيى بن أبي العلاء ، قال : حدثنا ليث به .
والحسن بن هاشم ؛ لم أجد له ترجمة .
ويحيى بن أبي العلاء لعله يحيى بن العلاء الكذاب ، ولكن يغلب على الظن أنه يحيى بن يعلى المذكور في سند أبي بكر الشافعي والبيهقي ، تحرف اسم أبيه على ناسخ " التاريخ " ، فإنه المذكور في الرواة عن ليث . ويؤيده أن السيوطي أورد
الحديث في " الدرر " ( ص 170 ) من رواية الخطيب متعقبا به على الحافظ ابن حجر جزمه بأن الحديث من قول إبراهيم بن أبي عبلة ، فلوكان في سند الخطيب الوضاع المذكور ؛ لما تعقب به السيوطي إن شاء الله تعالى .
ثم رأيته على الصواب في " ذم الهو ى " لابن الجوزي ( ص 39 ) من طريق الخطيب ، بدلالة أحد الإخوان جزاه الله خيرا .
والحديث قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوي " ( 11/197 ) :
" لا أصل له ، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ، وجهاد الكفار من أعظم الأعمال ، بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان .. " .
ثم ذكر بعض الآيات والأحاديث الدالة على أنه من أفضل الأعمال ، فكأنه رحمه الله يشير بذلك إلى استنكار تسميته بالجهاد الأصغر "انتهى.
 

الجمعة، 8 يونيو 2012

ملخص الندوة العلمية عن (جهود الشيخ العلامة محمد بن عثيمين-رحمه الله- في التفسير وعلوم القرآن)

ملخص الندوة العلمية عن (جهود الشيخ العلامة محمد بن عثيمين-رحمه الله- في التفسير وعلوم القرآن) والتى أقيمتبجامعة القصيم يوم الثلاثاء 21/4/1428هـ بقلم أحد الأفاضل-جزاه الله خيرا- أحببت اعادة  نشرها لما فيها من الفوائد والدر المتعلقة بسيرة علم وامام من أئمة الهدى الثلاثة-رحمهم الله تعالى-وجزاهم عنا وعن الاسلام خير الجزاء:

محاور الندوة:
1- نبذة مختصرة عن عناية الشيخ ابن عثيمين بالقرآن وعلومه. قدمها الدكتور خالد المصلح. وقد أشار فيها إلى أن الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- قد حفظ القرآن مبكراً، وكان يحرص على قراءة حزبه من القرآن أول النهار حتى يتفرغ بعدها لبقية شأنه، وأنه كان يحب سماع التلاوات المجودة، ويفضل الاستماع للشيخ عبدالباسط عبدالصمد رحمه الله، ويصطحب الأشرطة الصوتية للقرآن الكريم في سفره. وأشار إلى أن الشيخ -رحمه الله -كانت له عناية شديدة بتدبر القرآن، وأنه في أول طلبه للعلم على يد الشيخ عبدالرحمن السعدي كان يصلي وراء الشيخ عبدالرحمن السعدي، ويعجب بقراءته التدبرية للقرآن الكريم، لعنايته بالوقوف التي تبرز معاني القرآن الكريم، حيث كان يثني على شيخه بمعرفته لأماكن الوقوف أثناء التلاوة وتأثير ذلك على من وراءه.
 وذكر الشيخ خالد أن الشيخ- رحمه الله- كان يمتثل القرآن في شؤونه كلها، وضرب على ذلك مثالاً بتطبيقه لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء : 86]، فذكر لذلك مثالين:
الأول: عندما دخل الشيخ يوماً على مجلس فسلم بصوت مرتفع مسموع، فرد أحد من في المجلس بصوت خفيض، فقال له: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء : 86]، كأنه يعاتبه أنه لم يرد التحية بمثلها فضلاً عن أحسن منها.

الثاني: عندما ذهب الشيخ يوماً لأحدى المحاضرات، فقابله عند بوابة المكان أحد حراس المبنى، فلما رأى الشيخ رحب به، ورفع يديه مهللاً ومرحباً بالشيخ، فرفع الشيخ يديه كما فعل وبالغ في رد تحيته، وقال لمن معه في السيارة ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء : 86] فهو يرى أن التحية ترد بمثلها على أي وجه كانت تلك التحية في الأقوال والأفعال وهيئات الاستقبال والترحيب- رحمه الله-.

ثم ذكر الدكتور خالد المصلح وصفاً مختصراً لدرس الشيخ في التفسير، فأشار إلى أنه كان يمتاز بسهولة العبارة، وكان يفتتح الدرس بقراءة الآيات، ويختار أجود الطلاب تلاوة، ثم البدء في التفسير بعد ذلك، وهو لا يعتمد على كتاب بعينه في التدريس وإنما يفسر ابتداءً من القرآن، واشار إلى تميزه في جانب الاستنباط وحرصه على التدبر واستنباط الفوائد، وأنه كان حريصاً على ألا ينسب للقرآن ما ليس منه، ولذلك يتحفظ كثيراً في مسائل الإعجاز العلمي للقرآن وغير ذلك.

ثم انتقل الحديث لفضيلة الشيخ الدكتور أحمد بن محمد البريدي، فتحدث عن منهج الشيخ في التفسير، وعن تراث الشيخ في التفسير، وذكر أن الشيخ قام بتدريس مادة التفسير في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم وهي أول مادة درسها في الكلية بعد انتقاله من المعهد العلمي، وأن تناوله للتفسير كان على أوجه:
1- تفسيره القرآن في المسجد من القرآن مباشرة، وقد وقف فيه قبل وفاته عند الآية 52 من سورة الأنعام، ووصف منهجه في التفسير فذكر أنه كان يبدأ بتفسير الآية من حيث اللغة ثم يذكر القراءات وخلاف المفسرين ونوعه وأثره في تفسير الآية، ثم يذكر بعد ذلك الفوائد التي يستنبطها من آيات القرآن، ويطيل في الفوائد التي يستنبطها.

2- التعليق على تفسير الجلالين في المسجد. وذكر أن الشيخ يرى أن تفسير الجلالين يصلح لطلبة العلم لا لعامة الناس، وله استدراكات على تفسير الجلالين في جوانب مختلفة في العقيدة والتفسير والمبهمات ونحو ذلك، وهذه الاستدراكات جديرة بالدراسة والعناية كما ذكر الدكتور أحمد البريدي.

3- تفسير القرآن في اللقاءات العامة كما في (اللقاء المفتوح) حيث فسر الفاتحة وجزء عم وانتهى منه عام 1416هـ. ثم فسر الحجرات، وغيرها من السور. وهو في هذا التفسير يذكر المعنى العام بأسلوب ميسر مناسب للجميع، لأن الحضور من جميع الفئات، ومن ذلك تفسيره القرآن في دروس الحرم المكي في رمضان، حيث يختار آيات مما قرأه الإمام فيفسرها.

4- تفسيره القرآن في إذاعة القرآن الكريم بدأ عام 1408هـ ووصل فيه إلى الآية 31 من سورة آل عمران. واسم برنامجه (من أحكام القرآن الكريم).

5- التأليف في التفسير في المعاهد العلمية في المتوسطة والثانوية، وكان خاصاً بتفسير آيات الأحكام، وسماه (الإلمام في تفسير بعض آيات الأحكام) وقد رتبه على أبواب الفقه، فبدأ بالطهارة وختم بآيات الوصية.

6- تفسير الآيات التي ترد في المتون العلمية التي درسها، وأبرزها كتاب التوحيد، وكتاب العقيدة الواسطية. ومن المناسب تسمية تفسيره هذا بتفسير آيات الصفات في القرآن الكريم حيث فسر الآيات التي في هذا الباب تفسيراً مطولاً.

7- تفسيره آيات من القرآن في دروسه وخطب الجمعة.

8- عقد دورات علمية صيفية في تفسير بعض السور مثل سورة الكهف والكتاب مطبوع.

9- تفسير آية الكرسي. وهو تفسير مستقل عن تفسير المطبوع، وقد طبعت هذه الرسالة، وذكر فيها من الفوائد أربعين فائدة مستنبطة.

واقترح الدكتور أحمد البريدي على القائمين على مؤسسة الشيخ العثيمين أن يعيدوا طباعة تفسير الشيخ ويميزون بين ما كان منه تفسيراً للقرآن مباشرة، وما كان تعليقاً على الجلالين، وما كان في غير ذلك إذ لكل منها أسلوبه ومنهجه ولقي هذا الاقتراح قبولاً لدى المؤسسة وعدوا بالنظر فيه ودراسته.

وعن عناية الشيخ بعلوم القرآن، ذكر الدكتور أحمد البريدي أن الشيخ لم يصنف كتاباً مستقلاً في علوم القرآن، وإنما ذكر مسائل متفرقة منه في دروسه. وله كتاب في أصول التفسير سماه (أصول في التفسير) وهو مقرر على طلبة المعاهد العلمية.

وقد ختم الدكتور أحمد بذكر عناية الشيخ بقواعد التفسير، وإعمالها في تفسيره، وذكر من أهم صفات تفسير الشيخ:
 سهولة العبارة ووضوحها.
 ظهور شخصيته في عرض المسائل ومناقشتها.
 ربطه للآيات بواقع المسلمين المعاصر.
 ظهور الجانب التأصيلي في تفسيره.
 لم يفسر القرآن كاملاً، وإنما ما يقارب نصفه.
 من أهم مصادره كتب ابن تيمية وابن القيم وتفسير الطبري"انتهي المقصود.


الثلاثاء، 5 يونيو 2012

من هو الراسخ في العلم...للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي-رحمه الله-


  قال العلامة السعدي-رحمه الله-في كتابه الماتع النافع (المواهب الربانية..)ص4:
" الراسخ في العلم الذي مدحه الله هو:
 المتمكن في العلم النافع، المزكي للقلوب؛ ولهذا وصف الله الراسخين في العلم بأنهم يؤمنون بمحكم الآيات ومتشابهها، ويردّون المتشابه المحتمل للمحكم الصريح، فيؤمنون بهما جميعاً، وينزلون النصوص الشرعية منازلها، ويعلمون أنها كلها من عند الله، وأنها كلها حق، وإذا ورد عليهم منها ما ظاهره التعارض اتهموا أفهامهم، وعلموا أنها حق لا يتناقض؛ لأنه كله من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، 
وهم دائماً يتضرعون إلى ربهم في صلاح قلوبهم، واستقامتها وعدم زيغها، ويعرفون نعمة الله عليهم بعظيم هدايته، وتمام البصيرة التي مَنَّ الله بها عليهم.
ومن صفاتهم التي وصفهم الله بها
أنهم يدورون مع الحق أينما كان، ويطلبون الحقائق حيثما كانت، ولهذا وصف الله الراسخين من أهل الكتاب بأنهم يؤمنون بما أنزل الله على جميع أنبيائه، ولا يحملهم الهوى على تكذيب بعض الأنبياء وبعض الحق، فقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ...﴾الآية[النساء: 162]."انتهى

الاثنين، 4 يونيو 2012

من روائع المقالات:العقل ومدى حرية الرأي...للعلامة صالح الفوزان-حفظه الله-

الحمد لله الذي خلق الإنسان وميَّزه بالعقل من بين سائر المخلوقات ليميّز به بين الحق والباطل. وبين الضار والنافع. فالعقل نعمة من الله منّ بها على هذا الإنسان
وسُمي عقلاً لأنه يعقل الإنسان عمَّا يضره مما لا يليق به، وسُمي حجراً كذلك قال تعالى: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ). أي ذي عقل يعرف عظمة هذا القسم الذي أقسم الله به في سورة الفجر. 
ولكن هذا العقل محدود لا يدرك كل شيء
ولو كان العقل يدرك كل شيء لما احتجنا إلى بعثة الرسل وإنزال الكتب. وإنما العقل يدرك المضار والمنافع في الجملة. كما أن علم الإنسان محدود فهو لا يعلم إلا ما علّمه الله: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً)، 
وقال لنبيـــه: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
 وقالت الملائكة: (سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
ويقول الأنبياء إذا جمعهم الله يوم القيامة وسألهم (مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).
 ثم علم الإنسان قليل بالنسبة لما لا يعلمه قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
 وقال لنبيه: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً). 
ثم علم الإنسان على قلته مهدد بالزوال إما للعوارض التي تعرض له من الإعاقات المرضية وإما الخرف في نهاية العمر قال تعالى: (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً). 
فعلم الإنسان له بداية ونهاية وله نهاية وهو فيما بين ذلك محدود قليل ، 
وهناك أشياء كثيرة في هذا الكون لا يعلمها الإنسان مهما أوتي من القدرة على الاكتشافات والاختراعات ؛ فهو لا يعلم ما في البر والبحر والجو والسماوات والأرض لا يعلمها إلا علاَّم الغيوب سبحانه وتعالى.
 وأقرب شيء إلى الإنسان روحه التي يحيى بها ويتحرك ما دامت فيه، فإذا خرجت منه أصبح جثة هامدة لا حراك بها ولا إدراك ؛ فلا يعلم الإنسان حقيقة هذه الروح قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً). فالله هو الذي خلقها ، وهو الذي يوجدها في جسم الإنسان ، وهو الذي يقبضها في النوم وفي الموت،
 قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَليْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
 ولا يستطيع مخلوق مهما أوتي من العلم بالطب أن يبقيها في الإنسان إذا حان أجله ، قال تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
 فتقبض من بينهم ولا يستطيعون إرجاعها ، 
واليوم نسمع من يعظّم من شأن ما يسمونه بالعلم الحديث ، 
ومنهم من يقدّمه على الوحي ؛ فما وافق العلم الحديث من الوحي صدقه ، وما خالفه كذبه أو أوّله بغير معناه الصحيح.
 ومنهم من لا يؤمن من الأمور الغيبية إلا ما يصدّقه العلم الحديث ، 
وقد قال تعالى عن الأمم السابقة: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون
 وقد وجد الآن من يقدسون الرأي ويقولون بحرية الرأي ، ولم يعلموا أن هناك أشياء يجب فيها التسليم إذا جاء بها آية من القرآن أو حديث صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو مقتضى الإيمان ، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً). 
وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ).
 وقال عمر -رضي الله عنه- :يا أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلو رأيتني يوم أبي جندل أن أرد أمر رسول الله وأجتهد ولا آلوا.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان. والله تعالى يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وهناك أشياء لا مجال للرأي فيها مثل : 
أمور العقائد وأمور العبادات وأمور الغيبيات ،
وهناك أشياء يكون للرأي فيها مجال ، 
وذلك في أمور الأحكام الفقهية التي لا نص فيها بشرط أن يكون الرأي منطلقاً من ضوابط أصولية وضوابط اجتهادية ،
ويكون صاحب الرأي مؤهلاً بها بشرط أن لا يخرج الرأي عن دائرة ما تحمله الأدلة من الكتاب والسنة.
 ومن لم يكن مؤهلاً بتلك الضوابط فلا مجال لرأيه ولا اعتبار له، 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد
والمراد بالحاكم الفقيه المؤهل
ولا يقبل من اجتهاده إلا ما أصاب فيه وهو ما يوافق الدليل ، 
وما أخطأ فيه لا يقبل ، ولو كان مأجوراً على اجتهاده ، ما دام ذلك في محيط الأدلة ؛ فما بالك بالرأي الذي يخترق الأدلة ويخترق مجالات الاجتهاد الشرعي ويُسمى بالرأي الحر، 
بل هناك آراء اخترقت جانب الرب سبحانه ونازعته في تدبيره وتشريعه.
 وهناك آراء اخترقت جانب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فعارضت أحاديثه التي لا توافق أهواءها.
 وقد قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ). 
وقد قرأنا وسمعنا في هذه الأيام من ذلك الشيء الكثير من كتَّاب وكاتبات تبنوا الحرية في هذا المجال وعارضوا حد الردة محتجين بقوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وعارضوا بذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه
 وغيره من الأحاديث الصحيحة ، 
ولم يعلموا أن قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِالمراد به: الإكراه على الدخول في الدين
وأما الخروج منه فهو فساد يجب منعه ؛ لأن المرتد عرف الحق وقبله ثم تركه بعد معرفة ؛ فاستحق العقوبة لئلا يقتدى به غيره ؛ فيصبح الدين ملعبة للكفار ،
كما قال تعالى: (وَقَالَت طَّآنئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
 وقتل المرتد حد من حدود الله لا بد أن يُنفذ إذا توفرت شروط لا يجوز تعطيله،
 قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ، وحد الردة أعظم من حد السرقة.
إن الإنسان عبد لله ؛ فليس هناك حرية مطلقة إلا عند الملاحدة،
 ثم هم ليسوا أحراراً لأنهم يكونون عبيداً لأهوائهم وشهواتهم ؛
 فمن لم يكن عبداً لله صار عبداً للشيطان،
 كما قال ابن القيم رحمه الله:
هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان
هدانا الله صراط المستقيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبهصالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء
13-07-1433هـ
موقع العلامة الفوزان-حفظه الله تعالي-

السبت، 2 يونيو 2012

مناهي لفظية يجب الحذر منها...للعلامة ابن عثيمين -رحمه الله-

سئل العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- عن كثير من الالفاظ والعبارات التى يستعملها كثير من الناس وهل يجوز اطلاقها ...وهذه بعض منها :
" سئل الشيخ : عن هذه العبارات : ( باسم الوطن ، باسم الشعب ، باسم العروبة ) ؟ .
فأجاب قائلا : هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبر عن العرب أو يعبر عن أهل البلد فهذا لا بأس به ، وأن قصد التبرك والاستعانة فهو نوع من الشرك ، وقد يكون شركا أكبر بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بمن استعان به .
. وسئل فضيلته : هل هذه العبارة صحيحة ( بفضل فلان تغير هذا الأمر ، أو بجهدي صار كذا ) ؟ .
فأجاب الشيخ بقوله : هذه العبارة صحيحة إذا كان للمذكور أثر في حصوله ، فإن الإنسان له فضل على أخيه إذا احسن إليه ، فإذا كان الإنسان في هذا الأمر أثر حقيقي فلا بأس أن يقال : هذا بفضل فلان ، أو بجهود فلان، أو ما أشبه ذلك ، لأن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة شرعا وحساً ، ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عمه أبي طالب : «لو لا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ». وكان أبو طالب يعذب في نار جنهم في ضحضاح من نار ، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه ، وهو أهون أهل النار عذاباً – والعياذ بالله – فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لو لا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» .

أما إذا أضاف الشيء إلى سبب وليس بصحيح فإن هذا لا يجوز ، وقد يكون شركا ، كما لو أضاف حدوث أمر لا يحدثه إلا الله إلى أحد من المخلوقين ، أو أضاف شيئا إلى أحد من الأموات أنه هو الذي جلبه له فإن هذا من الشرك في الربوبية .
. سئل فضيلة الشيخ:عن حكم قول : ( البقية في حياتك ) ، عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم: ( حياتك الباقية) ؟ .
فأجاب فضيلته بقوله : لا أرى فيها مانعاً إذا قال الإنسان ( البقية في حياتك ) لا أري فيها مانعا ، ولكن الأولى أن يقال إن في الله خلفا من كل هلاك ، أحسن من أن يقال ( البقية في حياتك ) ، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد .

. سئل فضيلة الشيخ : عن قول العامة ( تباركت علينا؟ ) ( زارتنا البركة ؟ ) .
فأجاب قائلا : قول العامة ( تباركت علينا ) لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله – عز وجل – وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك ، والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان ، قال أسيد بن حبير لما نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها قال : " ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر " .

وطلب البركة لا يخلو من أمرين :

الأمر الأول : أن يكون طلب البركة بأمر شرعي معلوم مثل القرآن الكريم قال الله – تعالى - : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } [سورة الانعام الآية 92] فمن بركته أن من أخذ به وجاهد به حصل له الفتح ، فأنقذ الله به أمما كثيرة من الشرك ، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشرة حسنات وهذا يوفر للإنسان الجهد والوقت .

الأمر الثاني :أن يكون طلب البركة بأمر حسي معلوم ، مثل العلم فهذا الرجل يتبرك به بعلمه ودعوته إلى الخير، قال أسيد ابن حبير ( ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ) فإن الله قد يجري على أيدي بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر .

وهناك بركات موهومة باطلة مثل ما يزعمه الدجالون أن فلاناً الميت الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته وما أشبه ذلك ، فهذه بركة باطلة لا أثر لها ، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر لكنها لا تعدو أن تكون آثاراً حسية بحيث أن الشيطان يخدم هذا الشيخ فيكون في ذلك فتنة .

أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة ؟

فيعرف ذلك بحال الشخص ، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدع فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره ، أما إن كان مخالفا للكتاب والسنة ، أو يدعو إلى باطل فإن بركته موهومة ، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله .
. سئل فضيلة الشيخ : عن إطلاق عبارة (كتب التراث) على كتب السلف ؟ .
فأجاب بقوله : الظاهر أنه صحيح ، لأنه معناهم الكتب الموروثة عن من سبق . ولا أعلم في هذا مانعاً .
. سئل فضيلة الشيخ : هل في الإسلام تجديد تشريع ؟
فأجاب بقوله : من قال : إن في الإسلام تجديد تشريع فالواقع خلافه ؛ فالإسلام كمل بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والتشريع انتهى بها . نعم الحوادث والوقائع تتجدد ، ويحدث في كل عصر ومكان ما لا يحدث في غيره ، ثم ينظر فيها بالتشريع ، ويحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة . ويكون هذا الحكم من التشريع الإسلامي الأول، ولا ينبغي أن يسمى تشريعا جديدا ؛ لأنه هضم للإسلام ، ومخالف للواقع ، ولا ينبغي أيضاً أن يسمى تغيير للتشريع ، لما فيه من كسر سياج حرمة الشريعة ، وهيبتها في النفوس أو تعريضها لتغير لا يسير على ضوء الكتاب والسنة ولا يرضاه أحد من أهل العلم والإيمان .

أما إذا كان الحكم على الحادثة ليس على ضوء الكتاب والسنة ، فهو تشريع باطل ؛ لا يدخل تحت التقسيم في التشريع الإسلامي .

ولا يرد على ما قلت إمضاء عمر – رضي الله عنه – للطلاق الثلاث ، مع أنه كان واحدة لمدة سنتين من خلافته، ومدة عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعهد أبي بكر ، لأن هذا من باب التعزير بإلزام المرء ما التزمه و لذا قال عمر – رضي الله عنه - : «أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت له فيه أناة فلو أمضيناه عليهم». فأمضاه عليهم ، وباب التعزير واسع في الشريعة ، لأن المقصود به التقويم والتأديب .

. وسئل : عن حكم قولهم : تدخل القدر ؟ وتدخلت عناية الله ؟
فأجاب قائلا : قولهم ( تدخل القدر) لا تصلح لأنها تعني أن القدر اعتدى بالتدخل وأنه كالمتطفل على الأمر ، مع أنه أي القدر هو الأصل فكيف يقال تدخل ؟ والأصح أن يقال : ولكن نزل القضاء والقدر أو غلب القدر أو نحو ذلك ، ومثل ذلك ( تدخلت عناية الله ) الأولى إبدالها بكلمة حصلت عناية الله ، أو اقتضت عناية الله .
. وسئل : عن حكم التسمي بأسماء الله مثل كريم ، وعزيز ونحوهما ؟
فأجاب بقوله : التسمي بأسماء الله – عز وجل – يكون على وجهين :

الوجه الأول : وهو على قسمين :

القسم الأول : أن يحلى بـ ( ال ) ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله – عز وجل -  كما لو سميت أحداً بالعزيز ، والسيد ، والحكيم ، وما أشبه ذلك فإن هذا لا يسمى به غير الله لان ( ال) هذه تدل على لمح الأصل وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم .

القسم الثاني : إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلي بـ ( ال ) فإنه لا يسمى به ولهذا غير النبي صلى الله عليه وسلم كنية أبي الحكم التي تكنى بها ؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم «إن الله هو الحكم وإليه الحكم »ثم كناه بأكبر أولاده شريح فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظاً بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يمنع لأن هذه التسمية تكون مطابقة تماماً لاسماء الله – سبحانه وتعالى – فإن أسماء الله – تعالى – أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم .

الوجه الثاني : أن يتسمى غير محلي بـ ( ال) وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم ومن الأسماء بعض الصحابة حكيم ابن حزام الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم، «لا تبع ما ليس عندك » وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به .

لكن في مثل ( جبار ) لا ينبغي أن يتسمى وإن كان لم يلاحظ الصفة وذلك لأنه لا يؤثر في نفس المسمى فيكون معه جبروت وغلو واستكبار على الخلق فمثل هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها ينبغي للإنسان أن يتجنبها. والله أعلم .
. وسئل : عن حكم التسمي بأسماء الله تعالى مثل الرحيم والحكيم ؟
فأجاب بقوله : يجوز أن يسمى الإنسان بهذه الأسماء بشرط إلا يلاحظ فيها المعنى الذي اشتقت منه بأن تكون مجرد علم فقط ، ومن أسماء الصحابة الحكم ، وحكيم ابن حزام وكذلك اشتهر بين الناس اسم عادل وليس بمنكر ، أما إذا لوحظ فيه المعنى الذي اشتقت منه هذه الأسماء فإن الظاهر أنه لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم أبى الحكم الذي تكني به ؛ لكون قومه يتحاكمون إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله هو الحكم وإليه الحكم » ثم كناه بأكبر أولاده شريح وقال له : " أنت أبو شريح " وذلك لأن هذه الكنية التي تكنى بها هذا الرجل لوحظ فيها معنى الاسم فكان هذا مماثلا لاسماء الله – سبحانه وتعالى – لأن أسماء الله – عز وجل – ليست مجرد أعلام بل هي أعلام من حيث دلالتها على ذات الله – سبحانه وتعالى – وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى الذي تتضمنه ، أما أسماء غيره – سبحانه وتعالى – فإنها مجرد أعلام إلا أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها أعلام وأوصاف، وكذلك أسماء كتب الله – عز وجل – فهي أعلام وأوصاف أيضاً .
. وسئل فضيلة الشيخ : عن حكم ثناء الإنسان على نفسه ؟
فأجاب قائلا : الثناء على النفس إن أراد به الإنسان التحدث بنعمة الله – عز وجل – أو أن يتأسى به غيره من أقرانه ونظائره فهذا لا بأس به ، وإن أراد الإنسان تزكية نفسه وإدلاله بعمله على ربه – عز وجل – فإنه هذا فيه شئ من المنة ولا يجوز وقد قال الله – تعالى - : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . [سورة الحجرات الآية 17]

وإن من أراد به مجرد الخبر فلا بأس به لكن الأولى تتركه .

فالأحوال إذن في مثل هذا الكلام الذي فيه ثناء المرء على نفسه أربع : الحالة الأولى أن يريد بذلك التحدث بنعمة الله عليه فيما حباه به من الإيمان والثبات .

الحالة الثانية : أن يريد بذلك تنشيط أمثاله ونظائره على مثل ما كان عليه .

فهاتان الحالتان محمودتان لما يشتملان عليه من هذه النية الطيبة .

الحالة الثالثة : أن يريد بذلك الفخر والتباهي والإدلال على الله – عز وجل- بما هو عليه من الإيمان والثبات وهذا غير جائز لما ذكرنا من الآية .

الحالة الرابعة:أن يريد بذلك مجرد الخبر عن نفسه بما هو عليه من الإيمان والثبات فهذا جائز ولكن الأولى تركه
. سئل فضيلة الشيخ : عن قول ( يا حاج ) ، و ( السيد فلان ) ؟
فأجاب بقوله:قول (حاج ) يعني أد الحج لا شئ فيها . وأما السيد فينظر إن كان صحيحا أنه ذو سيادة فيقال : هو سيد بدون الـ فلا بأس به ، بشرط ألا يكون فاسقا ولا كافراً ، فإن كان فاسقا أو كافرا فإنه لا يجوز إطلاق لفظ سيد إلا مضافا إلى قومه ، مثل سيد بنى فلان ، أو سيد الشعب الفلاني ونحو ذلك .
. وسئل أيضاً:عن حكم ما درج على ألسنة بعض الناس من قولهم ( حرام عليك أن تفعل كذا وكذا) ؟
فأجاب بقوله : هذا الذي وصفه بالتحريم إما أن يكون ما حرم الله كما لو قالوا حرام أن يعتدي الرجل على أخيه وما أشبه ذلك فإن وصف هذا الشيء بالحرام صحيح مطابق لما جاء به الشرع .

وأما إذا كان الشيء غير محرم فإنه لا يجوز أن يوصف بالتحريم ولو لفظاً ؛ لأن ذلك قد يوهم تحريم ما أحل الله –عز وجل – أو يوهم الحجر على الله – عز وجل – في قضاءه وقدره بحيث يقصدون بالتحريم التحريم القدري، لأن التحريم يكون قدريا ويكون شرعيا فيما يتعلق بفعل الله – عز وجل – فإنه يكون تحريماً قدرياً ، وما يتعلق بشرعه فإنه يكون تحريما شرعيا وعلى هذا فينهى هؤلاء عن إطلاق مثل هذه الكلمة ولو كانوا لا يريدون بها التحريم الشرعي ، لأن التحريم القدري ليس إليهم أيضا بل هو إلى الله – عز وجل – هو الذي يفعل ما يشاء فيحدث ما شاء أن يحدث ويمنع ما شاء أن يمنعه ، فالمهم أن الذي أرى أنه يتنزهون عن هذه الكلمة وأن يبتعدوا عنها وإن كان قصدهم في ذلك شئ صحيحاً . والله الموفق .

. وسئل فضيلة الشيخ : نسمع ونقرأ كلمة (حرية الفكر) ، وهي دعوة إلى حرية الاعتقاد ، فيما تعليقكم على ذلك ؟
فأجاب بقوله : تعليقنا على ذلك أن الذي يجيز أن يكون الإنسان حر الاعتقاد ، يعتقد ما شاء من الأديان فإنه كافر ، لأن كل من اعتقد أن أحداً يسوغ له أن يتدين بغير دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كافر بالله – عز وجل – يستتاب فإن تاب وإلا وجب قتله .

والأديان ليست أفكاراً ، ولكنها وحي من الله – عز وجل – ينزله على رسله ، ليسير عبادة عليه ، وهذه الكلمة – أعني كلمة – فكر ، التي يقصد بها الدين . يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية ، لأنها تؤدي إلى هذا المعنى الفاسد ، وهو أن يقال عن الإسلام : فكر ، والنصرانية فكر ، واليهودية فكر – وأعني بالنصرانية التي يسميها أهلها بالمسيحية – فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس ، والواقع أن الأديان السماوية أديان من عند الله – عز وجل – يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبد بها عباده ، ولا يجوز أن يطلق عليها ( فكر ) .

 وخلاصة الجواب : أن من يعتقد أنه يجوز لأحد أن يتدين بما شاء وأنه حر فيما يتدين به فإنه كافر بالله – عز وجل – لأن الله – تعالى – يقول : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }[سورة آل عمران الآية 85]ويقول : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ }[سورة آل عمران الآية 19] فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن ديناً سوى الإسلام جائز يجوز للإنسان أن يتعبد به بل إذا اعتقد هذا فقد صرح أهل العلم بأنه كافر كفراً مخرجاً عن الملة .
. سئل فضيلة الشيخ : عن وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق ؟
فأجاب بقوله : الحيوان الناطق يطلق على الإنسان كما ذكره أهل المنطق ، وليس فيه عندهم عيب ، لأنه تعريف بحقيقة الإنسان ، لكنه في العرف قول يعتبر قدحاً في الإنسان ، ولهذا إذا خاطب الإنسان به عامياً فإن العامي سيعتقد أن هذا قدحاً فيه ، وحينئذ لا يجوز أن يخاطب بها العامي ؛ لأن كل شئ يسئ إلى المسلم فهو حرام ، أما إذا خوطب به من يفهم الأمر على حسب اصطلاح المناطقة ، فإن هذا لا حرج فيه ، لأن الإنسان لا شك أن حيوان باعتبار أنه فيه حياة ، وأن الفصل الذي يميزه عن غيره من بقية الحيوانات هو النطق . ولهذا قالوا : إن كلمة (حيوان ) جنس، وكلمة (ناطق ) فصل ، والجنس يعم المعرف وغيره ، والفصل يميز المعرف عن غيره .

 من موقع الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-.

عواقب الظلم في الدنيا والآخرة.. هل تُرد الحقوق يوم القيامة؟

هل تظن أن الظلم ينتهي بمجرد مرور الوقت؟ وهل حقوق العباد تضيع بالتقادم؟ في هذا المقال، نقف مع آية كريمة وحديث نبوي يضعان النقاط على الحروف حو...